العلم المستفاد منه مستيقن ومن لم يجرب لم يعرف.
فقال: وهل يمكنك أن تعرف جميع الحقائق والمعارف الإلهية جميع الخلق فترفع الاختلافات الواقعة بينهم؟
قلت: هيهات لا أقدر عليه وكان إمامك المعصوم إلى الآن قد رفع الاختلافات بين الخلائق وأزال الإشكالات عن القلوب، بل الأنبياء متى رفعوا الاختلاف ومتى قدروا عليه بل اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي. ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربّك، أ فأدعي أن أرد قضاء اللّه الذي قضى به الأزل أو يقدر إمامك أن يدعي ذلك فإن كان يدعيه فلم ادخره إلى الآن والدنيا طافحة بالاختلافات. وليت شعري رئيس الأمة علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كما سبب رفع الاختلافات بين الخلق أو سبب تأسيس اختلافات لا تنقطع أبد الدهر.
فقال: كيف نجاة الخلق من هذه الاختلافات؟
قلت: أن اصغوا إليّ، رفعت الاختلاف بينهم بكتاب اللّه تعالى، ولكن لا حيلة في إصغائهم فإنهم لم يصغوا بأجمعهم إلى الأنبياء ولا إلى إمامك، فكيف يصغون إليّ وكيف يجتمعون على الإصغاء وقد حكم عليهم في الأزل بأنهم لا يزالوا مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، وكون الخلاف بينهم ضروريا تعرفه من كتاب جواب مفصل الخلاف وهو الفصول الاثنا عشر.
فقال: فلو أصغوا كيف كنت تفعل؟ قلت: كنت أعاملهم بآية واحدة من كتاب اللّه تعالى، إذ قال: وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: 25] . وإنما أنزل هذه الثلاث لأن الناس ثلاثة أصناف وكل واحد من الكتاب والحديد والميزان علاج قوم.
فقال: فمن هم وكيف علاجهم؟ قلت: الناس ثلاثة أصناف عوام وهم أهل السلامة البله وهم أهل الجنة، وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة ويتولد بينهم طائفة هم أهل الجدل والشغب فيتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة. أما الخواصّ فإني أعالجهم بأن أعلمهم الموازين القسط وكيفية الوزن بها فيرتفع الخلاف بينهم على قرب وهؤلاء قوم اجتمع فيهم ثلاث خصال:
إحداها: القريحة النافذة والفطنة القوية وهذه عطية فطرية وغريزة جبلية لا يمكن كسبها.
و الثانية: خلو باطنهم من تقليد وتعصب لمذهب موروث ومسموع فإن المقلد لا يصغي والبليد وإن أصغى فلا يفهم.
الثالثة: أن يعتقد في أني من أهل البصيرة بالميزان ومن لم يؤمن بأنك تعرف الحساب لا يمكنه أن يتعلم منك.
و الصنف الثاني البله: وهم جميع العوام وهؤلاء هم الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق وإن كانت