فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 570

اعلم أن مفتاح معرفة اللّه تعالى هو معرفة النفس كما قال سبحانه وتعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» وليس شيء أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك فكيف تعرف ربك؟

فإن قلت إني أعرف نفسي، فإنما تعرف الجسم الظاهر الذي هو اليد والرجل والرأس والجثة، ولا تعرف ما في باطنك من الأمر الذي به إذا غضبت طلبت الخصومة، وإذا اشتهيت طلبت النكاح، وإذا جعت طلبت الأكل، وإذا عطشت طلبت الشرب؛ والدواب تشاركك في هذه الأمور، فالواجب عليك أن تعرف نفسك بالحقيقة حتى تدري أي شيء أنت، ومن أين جئت إلى هذا المكان، ولأي شيء خلقت، وبأي شيء سعادتك، وبأي شيء شقاؤك.

و قد جمعت في باطنك صفات، منها صفات البهائم، ومنها صفات السباع، ومنها صفات الملائكة؛ فالروح حقيقة جوهرك وغيرها غريب منك وعارية عندك، فالواجب عليك أن تعرف هذا، وتعرف أن لكل واحد من هؤلاء غذاء وسعادة؛ فإن سعادة البهائم في الأكل والشرب والنوم والنكاح، فإن كنت منهم فاجتهد في إعمال الجوف والفرج. وسعادة السباع في الضرب والفتك، وسعادة الشياطين في المكر والشر والحيل، فإن كنت منهم فاشتغل باشتغالهم.

و سعادة الملائكة في مشاهدة جمال الحضرة الربوبية وليس للغضب والشهوة إليهم طريق، فإن كنت من جوهر الملائكة فاجتهد في معرفة أصلك حتى تعرف الطريق إلى الحضرة الإلهية، وتبلغ إلى مشاهدة الجلال والجمال، وتخلص نفسك من قيد الشهوة والغضب، وتعلم أن هذه الصفات لأي شيء ركبت فيك، فما خلقها اللّه تعالى لتكون أسيرها ولكن خلقها حتى تكون أسراك، وتسخرها للسفر الذي قدامك، وتجعل إحداها مركبك والأخرى سلاحك حتى تصيد بها سعادتك، فإذا بلغت غرضك فقاوم بها تحت قدميك، وارجع إلى مكان سعادتك، وذلك المكان قرار خواص الحضرة الإلهية، وقرار العوام درجات الجنة، فتحتاج إلى معرفة هذه المعاني حتى تعرف من نفسك شيئا قليلا، فكل من لم يعرف هذه المعاني فنصيبه من القشور، لأن الحق يكون عنه محجوبا.

إذا شئت أن تعرف نفسك فاعلم أنك من شيئين: الأول هذا القلب، والثاني يسمى النفس والروح.

و النفس هو القلب الذي تعرفه بعين الباطن. وحقيقتك الباطن؛ لأن الجسد أول وهو الآخر والنفس آخر وهو الأول؛ ويسمى قلبا، وليس القلب هذه القطعة اللحمية التي في الصدر من الجانب الأيسر، لأنه يكون في الدواب والموتى، وكل شيء تبصره بعين الظاهر فهو من هذا العالم الذي يسمى عالم الشهادة، وأما حقيقة القلب فليس من هذا العالم، لكنه من عالم الغيب فهو في هذا العالم غريب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت