فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 570

و أما الأصول الثلاثة: وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله، ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض. ومثاله ما ذكرناه من حشر الأجساد والجنّة والنار وإحاطة علم اللّه تعالى بتفاصيل الأمور وما يتطرق إليه احتمال التأويل ولو بالمجاز البعيد، فينظر فيه إلى البرهان فإن كان قاطعا وجب القول به، ولكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر لقصور فهمهم فإظهاره بدعة وإن لم يكن البرهان قطعيا لكن يفيد ظنا غالبا، وكان مع ذلك لا يعلم ضرره في الدين كنفي المعتزلي الرؤية عن اللّه تعالى. فهذه بدعة وليس بكفر.

و أما ما يظهر له ضرر فيقع في محلّ الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر ويحتمل أن لا يكفر. ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد بلغ حالة بينه وبين اللّه تعالى أسقطت عنه الصلاة وحلّ له شرب الخمرة والمعاصي وأكل مال السلطان. فهذا ممن لا شكّ في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر، وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم وينفتح به باب من الإباحة لا ينسد وضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا فإنه يمنع عن الإصغاء إليه لظهور كفره. وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع، ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم إذ خصص عموم التكليفات بمن ليس له مثل درجته في الدين، وربما يزعم أنه يلابس ويقارف المعاصي بظاهره وهو بباطنه بريء عنه. ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حالة وينحلّ به عصام الدين.

و لا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام، بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار. فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية، فتارة يدرك بيقين وتارة بظن غالب، وتارة يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالوقف فيه عن التكفير أولى، والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل، ولا بدّ من التنبيه على قاعدة أخرى وهو أن المخالف قد يخالف نصا متواترا ويزعم أنه مؤول، ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلا في اللسان لا على بعد ولا على قرب، فذلك كفر. وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول. مثاله:

ما رأيته في كلام بعض الباطنية أن اللّه تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها. وعالم بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره، وإما أن يكون واحدا في نفسه وموجودا وعالما على معنى اتّصافه فلا. وهذا كفر صراح لأن حمل الوحدة على اتّحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا، ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدا لخلقه الوحدة لسمي ثلاثا وأربعا لأنه خلق الأعداد أيضا. فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبّر عنها بالتأويلات.

قد فهمت من هذه التكفيرات أن النظر في التكفير يتعلق بأمور:

أحدها: أن النصّ الشرعي الذي عدل به عن ظاهره هل يحتمل التأويل أم لا؟ فإن احتمل فهل هو قريب أم بعيد؟ ومعرفة ما يقبل التأويل، وما لا يقبل التأويل ليس بإلهين بل لا يستقلّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت