فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 570

الرعية، ومالت القلوب عنك، وربما ذهبت باطنا وظاهرا. واعلم أن المظلوم له همة تكون وافية في عكس أغراضك، مثل همم أرباب الاستقامة، فإنها مؤثرة في الفلك لاستجلاب ماء الغمام. وسأتلو عليك قصة السلطان ابن سملتكين وقد نفذ رسولا إلى ملك الهند وقال: ما سبب طول أعماركم مع جحودكم للصانع وتكذيبكم للرسل والوسائط، ونحن قصار الأعمار مع تصديقنا وإيماننا؟ فقال ملك الهند لرسوله: انظر إلى هذه الشجرة التي فوقها ثمرة، لا أعطيك الجواب حتى تنقطع. ثم أمر بالإدرار عليه وحسن الإقامة، فضاق صدره وتعلقت همته بقلعها، فلم يك إلا مدة قريبة إذ سمع هزة وقعت والناس يهرعون، ومشى معهم، فإذا الشجرة واقعة والملك مفكر، فلما بصر الملك بالرسول قال له: اذهب فهذا جوابك، وقل للسلطان هذه همة واحدة أثرت في قلع شجرة مثمرة، فكيف همم جماعة من المظلومين لا تؤثر في قلع الظالمين! إذ دعاء المظلوم محمول فوق الغمام، وقد ورد في بعض الكتب السالفة: أنا الظالم إن لم أنتقم من الظالم. واعلم أن العدل وبسط باع السلطنة بالهيبة مثل القتل والصلب والقطع يثمر الأمن وتمهيد الأرض وطمأنينة قلوب الرعية، إذ السلطان ظل ربه في الأرض وملجؤها، يأوي إليه كل مظلوم. ولا تستهب وضع الشيء في مكانه إذ"القتل أنفى للقتل"ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: 179] وكان عمرو بن العاص صحابيّا بدريّا نبه معاوية رضي اللّه عنه وجسره على فظائع الأفعال بقصائده اللامية والنونية التي قال فيها:

معاويّ في الخلق لا نفد له ... معاويّ إنّي لم أبايعك فلته

فينا ولو مرّة في الدّهر واحده

و كم للشّيخ عندي من خزايا ... تدلّ لها المغازي والمخازي

و طريق آخر في استدعاء المملكة وترتيبها وهو بذل الأموال، وطريق آخر وهو بالسيف معقود، لكنه مفتقر إلى ترك الشح مع الجند وإجلاء دعوة المظلوم، ولا يتعرض إلى الشقوص الموقوفة.

و لتجعل للرعية والسواد في كل يوم مدة لمطالعة أحوالهم، فقد يتشعب الظلم مع الغفلة لا سيما مع الحجّاب والعمال، ولتنظر في مخازي الكتاب فما كذبت بنت كسرى إذ سمته ديوانا، ولتنظر في وقت العشيّ ما كتبه الكتّاب بالنهار، لا يتم عليه حيل أرباب الدساتير، فكم من مظلوم عن حقه صدّ لغفلة الملك عنه. فإذا أردت أن لا تنحجب عنك حال فامنع الكلام، وأمر بأخذ القصاص، ووقع فيها بما تراه واللّه تعالى أعلم.

إذا صليت صبحك تقعد في ذكر اللّه تعالى إلى طلوع الشمس، ثم تأمر أهل دارك ومن حولك بما تريده من حوائجك من مأكل ومشرب، ثم تركب لتسمع أو يلقاك محجوب أو تلبي مظلوما أو تطلع على الحوادث، ثم تعود وأنت محفوف بالقعقعة والسلاح والتحرز من طمع الأعداء، ثم تقعد في دار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت