هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي فهم بعمل أهل الجنة يعملون وهؤلاء إلى النار ولا أبالي فهم بعمل أهل النار يعملون. فقال آدم عليه السلام: يا رب وما عمل أهل النار؟ قال: الشرك بي، وتكذيب رسلي، وعصيان كتابي في الأمر والنهي. قال آدم عليه السلام: أشهدهم على أنفسهم عسى أن لا يفعلوا! فأشهدهم على أنفسهم: أ لست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا! وأشهد عليهم الملائكة وآدم أنهم أقروا بربوبيته ثم ردهم إلى مكانهم. وإنما كانوا أحياء أنفسا من غير أجسام، فلما ردهم إلى صلب آدم عليه السلام أماتهم وقبض أرواحهم وجعلها عنده في خزانة من خزائن العرش، فإذا سقطت النقطة المتعوسة أقرت في الرحم حتى تمت صورتها والنفس فيها ميتة. فلجوهرها الملكوتي منعت الجسد من النتن، فإذا نفخ اللّه تعالى فيها الروح رد إليها سرها المقبوض منها الذي خبأه زمانا في خزانة العرش فاضطرب المولود. فكم من مولود دب في بطن أمه فربما سمعته الوالدة أو لم تسمعه! فهذه موته أولى وحياة ثانية.
ثم إن اللّه عز وجل أقامه في الدنيا أيام حياته حتى استوفى أجله المحدود ورزقه المقدور وآثاره المكتوبة. فإذا دنت موتته، وهي الموتة الدنيوية، فحينئذ نزل عليه أربعة من الملائكة:
ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى، وملك يجذبها من قدمه اليسرى، وملك يجذبها من يده اليمنى، وملك يجذبها من يده اليسرى. وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر، فيعاين الملائكة على حقيقة عمله على ما يتحيزون إليه من عالمهم، فإن كان لسانه منطلقا تحدث بوجودهم، فربما أعاد على نفسه الحديث بما رأى، وظن أن ذلك من فعل الشيطان، فسكن حتى يعقل لسانه، وهم يجذبونها من أطراف البنان ورءوس الأصابع والنفس تنسل انسلال القذارة من السقاء، والفاجر تسلّ روحه كالسفود من الصوف المبلول، هكذا حكى صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام. والميت يظن أن بطنه ملئت شوكا كأنما نفسه تخرج من خرم إبرة، وكأنما السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما، ولهذا سئل كعب رضي اللّه عنه عن الموت فقال:
كغصن شوك أدخل في جوف رجل فجذبه إنسان ذو قوة فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى. وقال عليه الصلاة والسلام: لسكرة من سكرات الموت أشد من ثلاثمائة ضربة بالسيف. فعندها يرشح جسده عرقا، وتزور عيناه، وتمتد أرنبته، وترتفع أضلاعه، ويعلو نفسه، ويصفر لونه. ولما عاينت عائشة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الحالة وهو مستلق في حجرها وهي تكفكف الدمع جعلت تقول شعرا:
بنفسي أفدي ما غصّك ... من الهايعات وما توجع
و ما مسّك الجنّ من قبل ذا ... و ما كنت ذا روعة تفزع
و ما لي أنظر في وجهك ... كمثل الصّباغ إذا ينقع
إذا شحب اللون من ميّت ... فأنوار وجهك قد تسطع