فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 570

استحالته كخلق اللّه تعالى مثل نفسه أو الجمع بين المتضادين، فهذا ما لا يرد الشرع به، وإن أراد به ما يقصر العقل عن إدراكه ولا يستقل بالإحاطة بكنهه فهذا ليس بمحال أن يكون في علم الأطباء مثلا جلب المغناطيس للحديد، وأن المرأة لو مشت فوق حية مخصوصة ألقت الجنين وغير ذلك من الخواص، وهذا مما ينبو عنه العقل بمعنى أنه لا يقف على حقيقته ولا يستقل بالاطلاع عليه فلا ينبو عنه الحكم باستحالته، وليس كل ما لا يدركه العقل محالا في نفسه بل لو لم نشاهد قط النار وإخراجها فأخبرنا مخبر وقال: إني أصك خشبة بخشبة وأستخرج من بينهما شيئا أحمر بمقدار عدسة فتأكل هذه البلدة وأهليها حتى لا يبقى منهم شيء من غير أن ينتقل ذلك إلى جوفها، ومن غير إن يزيد في حجمها بل تأكل نفسها فلا تبقى هي ولا البلد، لكنا نقول: هذا الشيء ينبو عنه العقل ولا يقبله، وهذه صورة النار والحس قد صدق ذلك، وكذلك قد يشتمل الشرع على مثل هذه العجائب التي ليست مستحيلة، وإنما هي مستبعدة وفرق بين البعيد والمحال، فإن البعيد هو ما ليس بمألوف والمحال ما لا يتصور كونه، وأما معنى قول اللّه تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23] . وقوله تعالى: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [طه: 125] . فالسؤال قد يطلق ويراد به الإلزام يقال: ناظر فلان فلانا ويتوجه عليه سؤاله وقد يطلق ويراد به الاستخبار كما يسأل التلميذ أستاذه، واللّه تعالى لا يتوجه عليه السؤال بمعنى الإلزام وهو المعنى بقوله: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. إذ لا يقال له: لم قول إلزام فأما أن لا يستخبر ولا يستفهم فليس كذلك وهو المراد بقوله: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى. وهذا القدر كاف في جواب هذه الأسئلة، ومن ترقّ عن محل التقليد بأدنى كياسة ولم ينته إلى رتبة الاستقلال كان من الهالكين، فنعوذ بالله من كياسة لا تنفع فإن الجهالة أدنى إلى الخلاص والنجاة منها، شعر:

و لم أر في عيوب النّاس شيئا ... كنقص القادرين على التمام

إذا عرفت أنك حادث، وأن الحادث لا يستغني عن محدث فقد حصل لك البرهان على الإيمان بالله، وما أقرب إلى العقل من هاتين المعرفتين. أعني أنك حادث وأن الحادث لا يحدث بنفسه، وإذا عرفت نفسك وأنك جوهر خاصيتك معرفة اللّه ومعرفة ما ليس بمحسوس وليس البدن من قوام ذاتك، فانهدام البدن لا يعدمك فقد عرفت اليوم الآخر بالبرهان فإنه لا معنى له إلا أن لك يومين يوم حاضر أنت فيه مشغول بهذا البدن، ويوم آخر أنت فيه مفارق لهذا الجسد، وإذا لم يكن قوامك بالجسد وقد فارقته بالموت فقد حصل اليوم الآخر، وإذا عرفت أنك إذا فارقت المحسوسات بمفارقة الجسد تلقيت إما نعمة هي معرفة اللّه تعالى التي هي خاصية ذاتك ومنتهى لذاتك بمقتضى طبعك الأصلي لو لم تمرض بالميل إلى الشهوات، وإما عذابا بالحجاب عن اللّه تعالى: وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: 54] . وعرفت أن سبب المعرفة الذكر والفكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت