و الخضراوات وهدمت المساكن والبيوت وقطعت السبل ومنعت من الأسفار وكثير من الحرف والصناعات ولو دام الصحو لجفت الأبدان والنبات، وعفن الماء الذي في العيون والأدوية، فأضر ذلك بالعباد. وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضررا آخر من الأمراض، وغلت بسببه الأسعار من الأقوات، وبطل المرعى وتعذر على النحل ما يجده من الرطوبة التي يرعاها على الأزهار، وإذا تعاقبا على العالم اعتدل الهواء ودفع كل واحد منهما ضرر الآخر فصلحت الأشياء واستقامت، وهذا هو الغالب من مشيئة اللّه.
فإن قيل: قد يقع من أحدهما ضرر في بعض الأوقات. قلنا: قد يكون ذلك لتنبيه الإنسان بتضاد الأشياء على نعمة اللّه تعالى وفضله ورحمته أنه هو الغالب فيحصل لهم بتلك انزجار عن الظلم والعصيان، أ لا ترى من سقم جسمه احتاج إلى ما يلائمه من الأدوية البشعة الكريهة ليصلح جسمه ويصح ما فسد منه. قال اللّه تعالى: ولكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى: 27] .
قال اللّه تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ* أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ* نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: 71. 74] .
اعلم وفقنا اللّه وإياك: أن اللّه خلق النار، وهي من أعظم النعم على عباده، ولما علم سبحانه وتعالى- أن كثرتها وبثها في العالم مفسدة جعلها اللّه بحكمته محصورة حتى إذا احتيج إليها وجدت واستعملت في كل أمر يحتاج إليها فيه، فهي مخزونة في الأجسام، ومنافعها كثيرة لا تحصى. فمنها ما تصلحه من الطبائخ والأشربة التي لولاها لم يحصل فيها نضج ولا تركيب ولا اختلاط، ولا صحة هضم لمن يستعملها في أكل وشرب. فانظر لطف الباري سبحانه في هذا الأمر المهم ثم انظر فيما يحتاج الناس إليه من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير وغير ذلك، فلولاها لم يكن شيء من الانتفاع من هذه الأشياء، فبها يذاب النحاس فتعمل منه الأواني وغيرها. وقد نبه اللّه تعالى على مثل ذلك بأنها نعمة توجب الشكر. فقال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا [سبأ: 13] . وبه يلين الحديد فيعملون به أنواعا من المنافع والآلات للحروب مثل الدروع والسيوف إلى غير ذلك مما يطول تعداده، وقد نبه اللّه تعالى على مثل هذا، فقال: وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: 25] . وقال تعالى: لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ [الأنبياء: 80] . ومنه يعمل آلات للحرث والحصاد وآلات تتأثر بها النار، وآلات يطرق بها، وآلات لقطع الجبال الصمة، وآلات لنجارة الأخشاب مما يكثر تعدادها. فلو لا لطف اللّه سبحانه بخلق النار لم يحصل من ذلك شيء من المنافع، ولولاها لما كان يتهيأ للخلق من الذهب والفضة نقود ولا زينة ولا منفعة، وكانت هذه الجواهر معدودة من جملة الأتربة، ثم انظر إلى ما جعل اللّه تعالى في النار من الفرح والترح عند ما تغشى الناس ظلمة الليل كيف يستضيئون بها ويهتدون بنورها في جميع أحوالهم من