فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 570

هذا المعراج معقود للنبوة والنبي ومعنى ذلك. والأمم في ذلك على ثلاث فرق: فرقة تنفيه وفرقة تثبته، وهي فرقتان:

طائفة: تزعم أن ذلك أوجبه مولده، فكانت لنفسه قوة تنفعل لها الأمور، وأوجب لها المولد أن يكون فاصلا حسن السيرة، هذا مذهب الفلاسفة.

و الفرقة الثانية: اعتقدوا معنى النبوة، وهو حصولها لشخص يخرق اللّه تعالى العادة على يديه بإظهار فعل غريب، واشترطوا أن ينضم إليها ثمانية شروط:

أحدها: أن تكون في زمن تصح فيه الرسالة.

الثاني: خرق العادة بالمعجزة.

الثالث: أن يقترن بدعواه تحد.

الرابع: أن يوافق دعواه بعمله.

الخامس: أن يتعلق مقاله بالقلب.

السادس: أن لا يظهر على وجهه ما يدل على كذبه.

السابع: أن يكشف القناع في التحدي.

الثامن: أن يعجز الخلق عن معارضته، ويلتحق بهذا شرط تاسع وهو كون المعجزة من جنس ما يتعاطاه أهل زمانه، ثم ما يحصل إلى الرسول إما بواسطة أشخاص الملائكة بأن يتمثل له بشرا سويا أو على صورة ما، وإما بغير واسطة بأن ينقش اللّه تعالى ذلك نقشا في الحاسة المتخيلة، وقد قال تعالى: وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشوري: 51] . وهو ما يحصل في قوته الخيالية وهو المعروف بالإلهام، كما قال تعالى: وأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [القصص: 7] . أو من وراء حجاب، أو بواسطة ملك من الملائكة وهو الحجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، ونبينا صلى اللّه عليه وسلم قد ظهر على يده من خرق العوائد ما ظهر على أيدي الرسل، وذلك ينقسم إلى ما بقي وإلى ما كان، فمعجزاته من شق القمر، وكلام الذراع، وحنين الجذع، واستدعاء المطر، ونبع الماء من بين أصابعه، وجعل قليل الطعام كثيرا وغير ذلك، وأما ما بقي فالقرآن وما أعلم به من الأشراط والدلول، وقد كان ذلك ونحن نشاهده، ويبطل أن تكون النبوة بمعنى الملك، فإن الإنباء بالغيب معنى آخر خلاف السياسة، ويبطل أن يكون ذلك سحرا، فإن الساحر لا قيام لسحره إلا به، ولهذه الشريعة خمسمائة عام، ثم هذا القرآن الذي عجز الخلائق عن آخرهم عن الإتيان بمثله إلى هلم جرا، وكان صلى اللّه عليه وسلم أميا نشأ بين أميين لا معرفة لهم بالعلوم، فأتى بهذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأولين والآخرين، وكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت