فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 570

حجب العزة وأستار القدرة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 55] . قالوا: فهل لنا إلى مشاهدتهم سبيل؟ قيل: لا، فإنكم في حجاب العزة وأستار البشرية، وأسر الأجل وقيده، فإذا قضيتم أوطاركم وفارقتم أوكاركم، فعند ذلك تزاورتم وتلاقيتم، قالوا: والذين قعد بهم اللؤم والعجز فلم يخرجوا؟ قيل: هيهات ولَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التوبة: 46] . ولو أردناهم لدعوناهم ولكن كرهناهم فطردناهم. أنتم بأنفسكم جئتم أم نحن دعوناكم؟ أنتم اشتقتم أم نحن شوّقناكم؟ نحن أقلقناكم فحملناكم وحملناهم في البر والبحر، فلما سمعوا ذلك واستأنسوا بكمال العناية وضمان الكفاية كمل اهتزازهم وتم وثوقهم فاطمأنوا واستقبلوا حقائق اليقين بدقائق التمكين، وفارقوا بدوام الطمأنينة إمكان التلوين، ولتعلمن نبأه بعد حين.

أ ترى هل كان بين الراجع إلى تلك الجزيرة وبين المبتدئ من فرق؟ إنما قال: جئنا ملكنا من كان مبتدئا، أما من كان راجعا إلى عيشه الأصلي يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي [الفجر: 27 و28] . فرجع لسماع النداء كيف يقال له لم جئت؟ فيقول: لم دعيت لا بل فيقول لم حملت إلى تلك البلاد وهي بلاد القربة، والجواب على قدر السؤال، والسؤال على قدر التفقّه، والهموم بقدر الهمم.

من يرتاع لمثل هذه النكت فليجدد العهد بطور الطيرية، وأريحية الروحانية، فكلام الطيور لا يفهمه إلا من هو من الطيور، وتجديد العهد بملازمة الوضوء، ومراقبة أوقات الصلاة، وخلوة ساعة للذكر فهو تجديد العهد الحلو في غفلة لا بدّ من أحد الطريقين، فاذكروني أذكركم، أو نسوا اللّه فنسيهم.

فمن سلك سبيل الذكر أنا جليس من ذكرني، ومن سلك النسيان: ومَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: 36] . وابن آدم في كل نفس مصحح أحد هاتين النسبتين ولا بد يتلوه يوم القيامة أحد السيماءين. أما يعرف المجرمون بسيماهم أو الصالحون بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، أنقذك اللّه بالتوفيق، وهداك إلى التحقيق، وطوى لك الطريق، إنه بذلك حقيق. والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت