و أما حكم الحرام والشبهة وحدّهما: فاعلم أن الأولى في حدهما أن ما تيقنت كونه ملكا للغير منهيا عنه في الشرع أو غلب على ظنك فهو حرام وأما ما تساوت فيه الأمارتان فهو شبهة بشبهة أنه حرام ويشبه أنه حلال ثم الامتناع من الذي هو حرام محض حتم واجب، والامتناع من الذي هو شبهة تقوى وورع. وأما حكمه: فاعلم ما هو الأصل في هذا الكتاب، وهو أن هنا شيئين:
أحدهما: حكم الشرع وظاهره. والثاني: حكم الورع وحقه. فحكم الشرع أن تأخذ مما آتاك اللّه ممن ظاهره صلاح، ولا تسأل إلا أن يتبين لك أنه غصب أو حرام بعينه، وحكم الورع أن لا تأخذ من أحد شيئا حتى تبحث عنه غاية البحث فتتيقن أن لا شبهة بحال وإلا فترده.
فإن قلت: فكان الورع يخالف الشرع وحكمه. فاعلم أن الورع من الشرع أيضا وكلاهما واحد في الأصل، ولكن للشرع حكمان حكم الجواز وحكم الأفضل الأحوط. فالجائز نقول له حكم الشرع والأفضل الأحوط نقول له الورع واللّه تعالى أعلم.
و أما حد فضول الحلال: فاعلم أن أحوال المباح في الجملة أقسام:
القسم الأول: أن يأخذ العبد مفاخرا مكاثرا مرائيا فهذا يستوجب على ظاهر فعله اللوم وعلى باطنه عذاب النار، لأن ذلك القصد منه معصية وقد وقع الوعيد لمن قصده.
القسم الثاني: أن يأخذ الحلال لشهوة نفسه لا غير فذلك منه شيء يوجب الحبس والحساب.
القسم الثالث: أن يأخذ من الحلال في حال العذر قدرا يستعين به على عبادة ربه سبحانه وتعالى ويقتصر عليه فذلك منه حسنة وأدب، ولا حساب عليه ولا عتاب بل يستوجب به الأجر والمدح، واللّه تعالى أعلم.
قال رحمه اللّه تعالى ورضي عنه: أما معرفة الحيل والمخادعات من الشيطان مع ابن آدم في الطاعات فهي من سبعة أوجه:
أحدها: أنه ينهاه عن الطاعات. فإن عصمه اللّه منه أمره بالتسويف فإن سلمه اللّه منه أمره بالعجلة فإن نجاه اللّه منه أمره بإتمام العمل مراءاة فإن حفظه اللّه تعالى منه أدخل عليه العجب، فإن رأى منة اللّه تعالى عليه أمره بالاجتهاد في السر وقال له: إن اللّه تعالى سيظهره عليك يريد بذلك جريان الرياء فإن اكتفى بعلم اللّه تعالى نجا منه، فإن لم يطعه في شيء من ذلك كله وعجز عنه وقال له لا حاجة لك إلى هذا العمل لأنك إن خلقت سعيدا لم يضرك ترك العمل، وإن خلقت شقيا لم ينفعك فعله، فإن عصمه اللّه تعالى منه، وقال له: أنا عبد وعلى العبد امتثال أمر سيده وسيده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد نجا منه بتوفيق اللّه تعالى وإلا هلك.