فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 570

اعلم أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه عوالم اللّه تعالى، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا اللّه تعالى كما قال وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: 31] وإنما خبره عن العوالم بواسطة الإدراك، وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات، ونعني بالعوالم أجناس الموجودات.

فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس، فيدرك بها أجناسا من الموجودات كالحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واللين والخشونة وغيرها. واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعا، بل هي كالمعدومة في حق اللمس.

ثم تخلق له حاسة البصر، فيدرك بها الألوان والأشكال؛ وهو أوسع عوالم المحسوسات.

ثم ينفخ فيه السمع، فيسمع الأصوات والنغمات.

ثم يخلق له الذوق. وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات، فيخلق فيه التمييز وهو قريب من سبع سنين، وهو طور آخر من أطوار وجوده، فيدرك فيه أمورا زائدة على عالم المحسوسات، لا يوجد منها شيء في عالم الحس.

ثم يترقى إلى طور آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأمورا أخرى العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز. وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبى مدركات النبوة واستبعدها؛ وذلك عين الجهل، إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه.

و الأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال، وحكي لو ذلك ابتداء، لم يفهمها ولم يقرّ بها. وقد قرب اللّه تعالى ذلك على خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من خاصية النبوة وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب إما صريحا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير. وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه وقيل له:"إن من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب"لأنكره، وأقام البرهان على استحالته وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك، فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فبأن لا يدركها مع ركودها أولى وأحق. وهذا نوع قياس يكذبه الوجود والمشاهدة؛ فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل.

و الشك في النبوة إما أن يقع في إمكانها، أو في وجودها ووقوعها، أو في حصولها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت