فهرس الكتاب

الصفحة 553 من 570

لشخص معين. ودليل إمكانها وجودها، ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل كعلمي الطب والنجوم؛ فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي وتوفيق من جهة اللّه تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة؛ فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك بالتجربة؟ وكذلك خواص الأدوية. فتبين بهذا البرهان أن الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل؛ وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة عبارة عنها فقط، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة، ولها خواص كثيرة سواها؛ وما ذكرناه قطرة من بحرها، وإنما ذكرناها لأن معك أنموذجا منها وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهي معجزات الأنبياء ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلا.

و أما ما عدا من خواص النبوة إنما يدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف؛ لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه لما صدقت به. فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلا، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم؛ وذلك الأنموذج يحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل، ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه. هذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة.

فإن وقع لك الشك في شخص معين أنه نبي أم لا، فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم وسماع أقوالهم وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضا عن معرفة كون الشافعي رحمه اللّه فقيها، وكون جالينوس طبيبا، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير، بل بأن تتعلم شيئا من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار يحصل لك العلم الضروري بكونه صلى اللّه عليه وسلم على أعلى درجات النبوة، وعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق في قوله:"من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم"وكيف صدق في قوله:"من أعان ظالما سلّطه اللّه عليه"وكيف صدق في قوله:"من أصبح وهمومه همّ واحد كفاه اللّه تعالى هموم الدّنيا والآخرة"فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف حصل لك علم ضروري لا تتمارى فيه.

فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا ثعبانا وشق القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، ربما ظننت أنه سحر وتخييل، وأنه من اللّه إضلال فإنه يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ [فاطر: 8] .

و ترد عليه أسئلة المعجزات، فإن كان مستندا إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكال والشبهة عليها؛ فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت