الخامس: النظر في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا؟ فإن ما لا يعظم ضرره في الدين فالأمر فيه أسهل وإن كان القول شنيعا وظاهر البطلان كقول الإمامية المنتظرة أن الإمام مختف في سرداب فإنه ينتظر خروجه، فإنه قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جدا، ولكن لا ضرر فيه على الدين إنما الضرر على الأحمق المعتقد لذلك إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى يدخل فيرجع إلى بيته خاسئا، وهذا مثال. والمقصود أنه لا ينبغي أن يكفر بكل هذيان وإن كان ظاهر البطلان. فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقامات التي لا يستقلّ بآحادها المبرزون علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره جاهل مجازف، وكيف يستقلّ الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم، فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فأعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس ولو ينكث من الأيدي من لا يدري لقلّ الخلاف بين الخلق.
من أشدّ الناس علوا وإسرافا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلّتنا التي حررناها فهو كافر، فهؤلاء ضيقوا رحمة اللّه الواسعة على عباده أوّلا، وجعلوا الجنة وفقا على شرذمة يسيرة من المتكلمين ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانيا، إذ ظهر لهم في عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعصر الصحابة رضي اللّه عنهم حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بعلم الدليل، ولو اشتغلوا به لم يفهموه ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المجرّدة والتقسيمات المرتبة فقد أبدع حدّ الإبداع، بل الإيمان نور يقذفه اللّه في قلوب عبيده عطية وهدية من عنده. تارة ببينة من الباطن لا يمكنه التعبير عنها، وتارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متديّن وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال.
فقد جاء أعرابي إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جاحدا به منكرا، فلمّا وقع بصره على طلعته البهية زادها اللّه شرفا وكرامة، فرآها يتلألأ منها أنوار النبوّة، قال: واللّه ما هذا بوجه كذاب. وسأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم، وجاء آخر إليه عليه الصلاة والسلام وقال: أنشدك اللّه، اللّه بعثك نبيا؟
فقال عليه الصلاة والسلام: إي واللّه، اللّه بعثني نبيا. فصدقه بيمينه وأسلم، وهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ولم يشغل واحد منهم بالكلام وتعليم الأدلّة، بل كان يبدو نور الإيمان بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد إشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة وتلاوة القرآن وتصفية القلوب، فليت شعري متى نقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو عن الصّحابة رضي اللّه عنهم إحضار أعرابي أسلم وقوله له الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو عن