اعلم أن الدين شطران: أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات. وترك المناهي هو الأشد، فإن الطاعات يقدر عليها كل أحد، وترك الشهوات لا يقدر عليه إلا الصديقون، فلذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
«المهاجر من هجر السّوء والمجاهد من جاهد هواه» واعلم أنك إنما تعصي اللّه بجوارحك، وهي نعمة من اللّه عليك وأمانة لديك، فاستعانتك بنعمة اللّه على معصيته غاية الكفران. وخيانتك في أمانة استودعكها اللّه غاية الطغيان. فأعضاؤك رعاياك فانظر كيف ترعاها، فكلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته. واعلم أن جميع أعضائك ستشهد عليك في عرصات القيامة بلسان طلق ذلق، أي فصيح، تفضحك به على رءوس الخلائق؛ قال اللّه تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور: 24] وقال اللّه تعالى: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [يس: 65] .
فاحفظ يا مسكين جميع بدنك من المعاصي، وخصوصا أعضاءك السبعة، فإن جهنم لها سبعة أبواب لكل منهم جزء مقسوم. ولا يتعين لتلك الأبواب إلا من عصى اللّه تعالى بهذه الأعضاء السبعة وهي: العين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل.
أما العين فإنما خلقت لتهتدي بها في الظلمات، وتستعين بها في الحاجات، وتنظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات؛ فاحفظها عن أربع: أن تنظر بها إلى غير محرم، أو إلى صورة مليحة بشهوة نفس، أو تنظر بها إلى مسلم بعين الاحتقار، أو تطلع بها على عيب مسلم.
و أما الأذن، فاحفظها عن أن تصغي بها إلى البدعة، أو الغيبة، أو الفحش، أو الخوف في الباطل، أو ذكر مساوى ء الناس؛ فإنما خلقت لك لتسمع بها كلام اللّه تعالى، وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وحكمة أوليائه، وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين. فإذا أصغيت بها إلى شيء من المكاره، صار ما كان عليك، وانقلب ما كان سبب فوزك سبب هلاكك، وهذا غاية الخسران. ولا تظن أن الإثم يختص به القائل دون المستمع، ففي الخبر أن المستمع شريك القائل وهو أحد المغتابين.
و أما اللسان، فإنما خلق لتكثر به ذكر اللّه تعالى وتلاوة كتابه، وترشد به خلق اللّه تعالى إلى طريقه، وتظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت نعمة اللّه تعالى فيه. وهو أغلب أعضائك عليه وعلى سائر الخلق، ولا يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلى حصائد ألسنتهم؛ فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر جهنم، ففي الخبر: «إنّ الرّجل ليتكلّم بالكلمة ليضحك بها أصحابه فيهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفا» . وروي أنه قتل شهيد في المعركة على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال قائل: هنيئا له بالجنة فقال صلى اللّه عليه وسلم:"وما يدريك؟ لعلّه كان يتكلّم فيما لا يعنيه، ويبخل بما لا يغنيه»."
فاحفظ لسانك من ثمانية: