الأول: الكذب؛ فاحفظ منه لسانك في الجد والهزل، ولا تعود لسانك الكذب هزلا فيدعوك إلى الكذب في الجد؛ والكذب من أمهات الكبائر. ثم إنك إذا عرفت بذلك سقطت عدالتك والثقة بقولك، وتزدريك الأعين وتحتقرك. وإذا أردت أن تعرف قبح الكذب من نفسك فانظر إلى كذب غيرك، وإلى نفرة نفسك عنه، واستحقارك لصاحبه، واستقباحك لما جاء به؛ وكذلك فافعل في جميع عيوب نفسك، فإنك لا تدري قبح عيوبك من نفسك بل من غيرك، فما استقبحته من غيرك يستقبحه غيرك منك لا محالة، فلا ترض لنفسك ذلك.
الثاني: الخلف في الوعد؛ فإياك أن تعد بشيء ولا تفي به، بل ينبغي أن يكون إحسانك إلى الناس فعلا بلا قول، فإن اضطررت إلى الوعد فإياك أن تخلف إلا لعجز أو ضرورة، فإن ذلك من أمارات النفاق وخبائث الأخلاق، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم:"ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلّى: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»."
الثالث: الغيبة؛ فاحفظ لسانك عنها. والغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام، كذلك ورد في الخبر. ومعنى الغيبة أن تذكر إنسانا بما يكرهه لو سمعه، فأنت مغتاب ظالم وإن كنت صادقا. وإياك وغيبة القراء المرائين، وهو أن تفهّم المقصود من غير تصريح فتقول: أصلحه اللّه فقد ساءني وغمني ما جرى عليه، فنسأل اللّه تعالى أن يصلحنا وإياه. فإن هذا جمع بين خبيثين: أحدهما الغيبة؛ إذ بها حصل التفهم، والآخر تزكية النفس والثناء عليها بالتحرج والصلاح. ولكن إن كان مقصودك من قولك أصلحه اللّه تعالى الدعاء، فادع له في السر إن اغتممت بسببه، فعلامته أنك لا تريد فضيحته وإظهار عيبه، وفي إظهارك الغم بعيبه إظهار تعييبه. ويكفيك زاجرا عن الغيبة قوله تعالى: ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: 12] فقد شبهك اللّه بآكل لحم الميتة، فما أجدرك أن تحترز منها. ويمنعك عن غيبة المسلمين أمر لو تفكرت فيه، وهو أن تنظر في نفسك هل فيك عيب ظاهر أو باطن، وهل أنت مفارق معصية سرّا أو جهرا، فإذا عرفت ذلك من نفسك فاعلم أن عجزه من التنزه عما نسبته إليه كعجزك، وعذره كعذرك، وكما تكره أن تفتضح وتذكر عيوبك فهو أيضا يكرهه، فإن سترته ستر اللّه عليك عيوبك، وإن فضحته سلط اللّه عليك ألسنة حدادا يمزقون عرضك في الدنيا، ثم يفضحك اللّه في الآخرة على رءوس الخلائق يوم القيامة. وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين ولا دنيا، فاعلم أن جهلك بعيوب نفسك أقبح أنواع الحماقة، ولا عيب أعظم من الحمق، ولو أراد اللّه بك خيرا لبصرك بعيوب نفسك؛ فرؤيتك نفسك بعين الرضا غاية غباوتك وجهلك. ثم إن كنت صادقا في ظنك فاشكر اللّه تعالى عليه ولا تفسده بثلب الناس والتمضمض بأعراضهم فإن ذلك أعظم العيوب.
الرابع: المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام؛ فذلك فيه إيذاء للمخاطب وتجهيل له وطعن فيه، وفيه ثناء على النفس وتزكية لها بمزيد الفطنة والعلم. ثم هو مشوش للعيش، فإنك لا تماري