و اعلم أن هذه الأحوال والمقامات لا يصدقها إلا من عرفها، كما لا يصدق علم الكيمياء إلا من عالجه وعرفه، فكل من يكلم عند الصانع الواصل العليم فقد هدي، فإن الأعمى لا يبصر القمر، والزمن لا يعدو خلف الطريدة. وأنت تغيب وليس فيك نصيب، ولا أنت محب ولا حبيب، بطنك ملاءة وعينك محيطة ولسانك معقود، وعلمك قليل وأملك طويل، وذنبك عزيز وربك بصير. فاسمع مناديك في جانب واديك قال: لا تعب الحرائر حتى تكون مثلهم، واخش بمفلح نادى من وراء اللوح. فأحسن الظن فإنك قد طرحت فطرحت، وجرحت فجرحت، ولو أوصلت لوصلت، ولو خدمت لخدمت، لكنك متشبت تجعل ط م ع وهي خالية من النقط فهلكت وما ملكت، وما فاتك فاتك والندم تجده عند وفاتك. واعلم أن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (شعر) :
قل للكئيب المعنى ... إلى متى تتعنّى
فلا حياتك تصفو ... و لا بنا تتهنّى
و اعلم أن الآيات الدالات على الذكر والأخبار كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152] وقوله: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب: 41] وقوله: ولَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: 45] وقوله: واذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ والْآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ [الأعراف: 205] بين المراتب والأوقات. والذكر الخفي أجمل، إذ ليس فيه أذى لسامعه، وهو خالص عن الرياء والنفاق، مثل صوم السر وصدقته، والحث عليه كثير. وقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رجل يتصدق بمال حلال وآخر يذكر اللّه من صلاة الصبح إلى طلوع الشمس فأي الرجلين أفضل؟ فقال:"ولذكر اللّه أكبر". وفي الحديث:"أنه من ذكر اللّه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فله أجر من تصدق بمائة ناقة حمراء حملها من ذهب أحمر، وكأنه قد أعتق ثمانية رقاب من بني عبد المطلب". ثم الذكر له ثلاث وظائف: فذكر الظاهر بلقلقة اللسان، فهذا يستحب في التلاوات من هياكل العبادات، والذكر الخفي أعلى ضروب العبادات والصدقات، وذكر القلب، ومنه يحدث الغناء من العالم والاشتغال بالمحبوب:"أنا ذاكر من ذكرني، وجليس من شكرني، وحبيب من أحبني. من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ من قومه ذكرته في ملإ من ملائكتي"ثم يحصل من الفناء الأول فناء ثان وهو أن يغيب عن النفس لمشاهدة حضرة القدس، فيصير الذكر لك عادة وعبادة. كشف الموت عنك أعباء الأثقال عدت في عادة ذكرك مع الملائكة الذاكرين، إذ الخير عادة. ويطاف بك في ساحة حظيرة القدس وتحظى بقرب من ذكرت، وهو قرب إكرام ومنزل احتشام. ومن هذا الذكر ما هو قرآن، ثم بعده تسبيح، ثم