فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 570

ذات اللّه تعالى أحمق، يعني إن نظرنا الى قضائه نتوهم أن العبد معذور فيما يفعل، وإن نظرنا إلى الأمر والنهي والى اختيار العبد ربما يظن أن العبد مستبد بما يفعل، بل الحق فيه أن يعتقد أن العبد غير مستغن عن اللّه تعالى في سائر أفعاله وأقواله، وأحواله، بل هو متقلب في مشيئته وأنه غير مجبور ولا مسخر كالحيوانات والجمادات، بل هو موفق في ضمن أسباب السعادة ومخذول أو مطرود في ضمن أسباب الشقاوة.

لو قيل: إن كان للقدرة الحادثة أثر في المقدور فهو شرك خفي، وإن لم يكن لها أثر فهو جبر. يقال: إنما يكون شركا إذا كان لها في التخليق أثر، وإنما أثرها في الكسب واللّه تعالى ليس بكاسب حتى يكون شركا ولو لم يكن لها أثر في المقدور لزم أن يكون وجودها كعدمها فهو إذا قدير بلا قدرة وهو محال.

و اعلم أن من ظن أن اللّه تعالى أنزل الكتب وأرسل الرسل وأمر ونهى ووعظ وتواعد لغير قادر مختار، فهو مختل المزاج يحتاج الى علاج ولسبب اختلاف الناس في الاستدلال بالقرآن قبل فهمه وقعوا في الجبر والقدر، لأنهم لم يفرقوا بين قدرة الخالق القديمة وبين قدرة المخلوق الحادثة والفرق بينهما أن القدرة القديمة مستقلة بالخلق ولا مدخل لها في الكسب، وأن القدرة الحادثة مستقلة بالكسب ولا مدخل لها في الخلق والظلم إنما ينسب الى الحادثة، وأما القديمة فمبرئة عنه لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ولكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44]

و أما المعرفة: فهي نفس القرب وهو ما أخذ القلب وأثر فيه أثرا يؤثر في الجوارح. فالعلم:

كرؤية النار مثلا. والمعرفة كالاصطلاء بها، والمعرفة في اللغة: هو العلم الذي لا يقبل الشك وفي العرف اسم لعلم تقدمه نكرة، وفي عبارة الصوفية المعرفة هو العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات اللّه تعالى وصفاته. فإن قيل: ما معرفة الذات وما معرفة الصفات؟ يقال: معرفة الذات أن يعلم أن اللّه تعالى موجود واحد فرد وذات وشيء عظيم قائم بنفسه ولا يشبهه شيء، وأما معرفة الصفات: فأن تعرف أن اللّه تعالى حي عالم قادر سميع بصير الى غير ذلك من الصفات. فإن قيل: ما سر المعرفة؟ يقال: سرها وروحها التوحيد، وذلك بأن تنزه حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه عن التشبيه بصفات الخلق: ليس كمثله شيء.

فإن قيل: ما علامة المعرفة؟ يقال: حياة القلب مع اللّه تعالى، أوحى اللّه تعالى الى داود عليه السلام أ تدري ما معرفتي؟ قال: لا. قال: حياة القلب في مشاهدتي.

فإن قيل: ففي أي مقام تصح المعرفة الحقيقية؟ يقال: في مقام الرؤية والمشاهدة بسر القلب، وإنما يرى ليعرف، لأن المعرفة الحقيقية في باطن الإرادة فيرفع اللّه تعالى بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت