قال رحمه اللّه تعالى ورضي عنه: العائق الرابع النفس ثم عليك بالحذر من هذه النفس، فإنها أضر الأعداء وعلاجها أعسر الأشياء لأنها عدو من داخل، واللص إذا كان من أهل البيت عزت الحيلة فيه وعظم ضرره ولأنها أيضا عدو محبوب والإنسان عم عن عيب محبوبه لا يكاد يرى عيبه ولا يبصره، ثم الحيلة في أمرها أن تلجمها بلجام التقوى والورع ليحصل لك فائدة الامتثال والانتهاء واعلم أنه لا يذل النفس ويكسر هواها إلا ثلاثة أشياء:
الأول: منعها عن شهوتها.
الثاني: حمل أثقال العبادات عليها.
الثالث: الاستعانة بالله تعالى عليها والتضرع إليه وإلا فلا يخلص من شرها إلا به سبحانه وتعالى.
اعلم: أن هاهنا أربعة أحوال للقلب قبل العمل بالجوارح.
أحدها: الخاطر وهو حديث النفس ثم الميل ثم الاعتقاد ثم الهم. فأما الخاطر: فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار، وكذلك الميل وهيجان شهوة النفس، لأنهما لا يدخلان تحت الاختيار، أيضا وهما المراد بقوله صلى اللّه عليه وسلم: «عفا اللّه لأمّتي ما حدّثت به أنفسها» . فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل. فأما الهم والعزم فلا يسميان حديث النفس.
و أما الثالث: وهو الاعتقاد، وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا مردد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا والأحوال تختلف فيه. فالاختياري منه يؤاخذ به والاضطراري لا يؤاخذ به.
و أما الرابع: وهو الهم بالفعل، فإنه يؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل نظر فإن تركه خوفا من اللّه تعالى وندما على همه كتب له حسنة، وإن تعوق الفعل بعائق أو تركه لا خوفا من اللّه تعالى كتب عليه سيئة، فإن همه فعل من القلب اختياري والدليل القاطع فيه: ما روي عن سيدنا ومولانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النّار. قيل:
يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنّه أراد قتل صاحبه» وهذا نص في أنه صار من أهل النار بمجرد الإرادة مع أنه قتل مظلوما فكيف يظن أنه لا يؤاخذ بالنية والهم كلما دخل تحت اختيار القلب فإنه مؤاخذ به إلا أن يكفره بحسنة ونقض العزم بالندم حسنة، فلذلك كتبت حسنة وأما فوات المراد بعائق فليس بحسنة.