بيني وبين شيخنا يونس بن عبيد! فدخل يونس فقال: يا رابعة ضيعت دعوة فيما لا بد أن يكون، فقالت: يا شيخ دع عنك هذا فأين آثار دلال الأحباب وأنت تريد سببا بلاش، فهذا طلب الأوباش.
قال الجنيد لرجل يعطي أجرة الفعلة: أما تعطيني معهم يا شيخ؟ فقال الرجل: يا أحمق تمني نفسك بالبطالة لو عملت لأخذت. وقد مر الشبلي بدار فسمع صاحبة الدار تقول لزوجها: لا نمن عليك إلا بقدر فعلك، تريد بلاش عناق وزقاق، فقال الزوج الكسل يعمل أكثر من هذا، وأنشد:
قد فاتني مقصدي فذبت جوى ... حطت لدينا مصائب الكسل
لو علمت لرضيت عني خليلة
اعلم أن اللّه تعالى خلق هذه الصورة الآدمية وجعل لها غذاء وهو سبب بقائها، فالناس فيه ضروب: فطائفة تقنع بالقليل من المأكل، وهي المتقنعة التي يصلح أن يكون منها متعبدون، والتي هي شبيه الملائكة بخصالها وخلالها ونومها ومأكلها، فكلما قل الغذاء كنت مشبها لسكان السماء، وثمرته العافية والغناء عن الطبيب، ومن قلة الأكل يحصل رقة القلب وقلة المخرج، فمن كانت همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منها، والإقلال من الأمراق والفواكه أسلم. واعلم أن كثرة المأكل ككثرة الرفاق لا تربح من كثرتهم خيرا، أ لم تر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كان يجمع بين الإدامين؟ فهذا فيه زهد وطب. وفي البطون بطون نارية تأكل ما يلقى إليها، والنار لها سبعة أبواب، وللبطون مثلها، مثل باب الحرص، وباب الشره، وباب النميمة، وباب شدة الجوع، وقلة المبالاة بالخطايا والمأكل الحرام أشد الذنوب وأعظمها. وللجسد سبعة أبواب دالة على أبواب جهنم، مثل السمع والبصر واللسان والبطن والفرج واليدان والقدمان. فهذه أبواب السعاية الدالة على القبائح وأعظمها البطون، وأعظم الأفعال القبيحة مظالم العبيد، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم:"من أكل لقمتين من حرام حجبت دعوته أربعين صباحا، ومن ملأ بطنه كانت النّار أولى به". والحرام هو مثل المغصوب والسرقة، وأخذ القصاص والجناية بغير إذن ربها، وقطع الطريق، وقوب الرشوة، والإجارات على الطاعات، وابتياع الحرام، وأجرة الحجامات، وأخذ ما لا يستحق حتى نوبة الماء، وأنواع كثيرة ذكرناها في كتب"الإحياء"من الحلال والحرام. وأما المكاسب الحلال فأصلها الحلال مثل البيض والبلوط والمن والحشيش والحطب. وأما الصيد ففيه كلام بين العلماء فتركه أجمل، وعملك بيدك مع النصح أجل وأكسب. اجتمع أبو الحسين النوري وأبو يزيد وسفيان بن عيينة فأخذوا ببعض أجرتهم خبزا وتصدقوا بالباقي، فلما قعدوا لأكل الزاد قال سفيان: هل تعلمون منكم النصح في الحصاد؟ فقالوا: لا نعلم، فتركوا الخبز مكانه وراحوا. واعلم أن سر الحرام غامض نكشف بعضه فنقول: إن الصانع واحد والخلق من فيضه، فالمعتدي على بعض