فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 570

فلانا أعرب حين بين، وفلان بيض قصيدته ورسالته، فأين آثار تبيين حجتك إذا قطع الدليل والبرهان؟

و إن قلت الجدال المتشابكة أو جدال الجبل حين حاستك بعضه ببعض، فما ينفعك هذه المقالة اللغوية واللفظات الاصطلاحية إذا كان متن دليلك مقطوعا بالنقض والعلة الداخلة عليه من الخصوم. فلا بد من جواب فخور يفهم الخاطر، فما هذا مقام أو مقال يحتمل المغالطة والمدافعة، فإن كان جوابك من غير السؤال فهو مداخله ضعيفة به، وإن كان من نفس المسألة فلا بد من برهان قاطع غير منقوض، فالمنقوض معلول لا يصلح أن يكون جوابا. وإذا سئلت عن الحجة والمعرفة بالشيء فإما أن يكون معرفتك برهان قاطع نقلا أو عقلا غير منقوض، فمشّه وكن به مستدلا، فالمعرفة بالشيء إما بنفسه أو بغيره، فإن كان بنفسه فهو البرهان المقطوع به إذا لم يكن سبيل البعض داخلا عليه، فالبراهين التصديقية كان برهانها تصديقها مثل ما تقول: هذا رجل، فلا تفتقر أن تبرهنه، وهذا ليل أو نهار، أو عشرة أكثر من خمسة، فهذا لا يطرد عليه معنى في بعض ولا ينعكس، لأن تصديقه ينقسم ولا يفتقر إلى برهان، فأت بدليل على مثل هذا المعنى! فقد علمت أن هذه العلة لا تفارق معلولها، وأن المعل لا يكون لجهل أو لفهم أو قبحه، وإنما يكون براهين تصديقية أو براهين معلولة أو منقولة غير منقوضة، فإذا دخل النقض أزال حكم الدليل، فهذا معنى قولنا قطع الدليل. ثم تستدلون بأخبار الآحاد والمراسيل وقد علمتم بالملزم فيها من الطعن والتشكيك، ثم المتواتر بنفسه عندكم فهو دليل، ولا يعتبرون فيه العلم، إذ هممكم إنما هو وقائع وخصومات وإظهار مناقشات في رياسات، والباحث عن إظهار الحق قليل.

و اعلم أن الطهارة فرض ظاهرا أو باطنا، فأما الباطن فطهارة القلب من كل شيء سوى اللّه، فإذا وجدت من القلب هذه الطهارة الصافية الكاملة صار القلب محلّا للفيض الرباني والعلوم اللدنية الإلهية، وكشف أغطية الأسرار عن نير نهار القدس، فانبجست عيون الكرامات، وترقى العقل من حضيض الشهوات إلى سماء الخاصة ومعارفها، ثم إلى سماء كشف أسرار الربوبية، ثم يترقى العقل الجوهر الكامل إلى كرسي المراقبة، ثم إلى عرش حضرة القدس، ثم تقدم له موائد فوائد تحف المحبة فيشرق أنوارها على هياكل الطباع المظلمة، ويجري قلم التوحيد فوق لوح التمجيد بطريق التأييد، فمنهم شقيّ وسعيد. وإذا كشفت لك هذه المملكة الباطنة لم تلتفت على الموت، فإن الموت هو جامع بين الأحباب، وفي الطباع المتنافرات مفرق بينهم فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: 94] وقد سمعت النظم فيه شعرا:

سهّل عليك الّذي تلقاه من ألم ... إن كان شملك بالأحباب يجتمع

فإذا طلعت عليك كاسات الوصال في دار التخلية، وهبت ريح النسيم، ونادى منادي التقديم وفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين: 26] فعند ذلك تصير روحك ملكا يضيء، ولو لم تمسسه نار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت