فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 570

عليهم، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم. وذكر تلك الحجة وحكاها عنهم. فلم أرض لنفسي أن يظن فيّ الغفلة عن أصل حجتهم؛ فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني وإن سمعتها لم أفهمها؛ فلذلك قررتها.

و المقصود أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان، ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان.

و الحاصل: أنه لا حاصل عند هؤلاء، ولا طائل لكلامهم. ولو لا سوء نصرة الصديق الجاهل، لما انتهت تلك البدعة. مع ضعفها. إلى هذه الدرجة؛ ولكن شدة التعصب، دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم، وإلى مجادلتهم في كل ما نطقوا به، فجادلوهم في دعواهم"الحاجة إلى التعليم والمعلم"ودعواهم"لا يصلح كل معلم، بل لا بد من معلم معصوم".

و ظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم، وضعف قول المنكرين في مقابلتهم، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم، وضعف مذهب المخالفين لهم، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجهله بطريقه؛ بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم، وأنه لا بد وأن يكون المعلم معصوما؛ ولكن معلمنا المعصوم هو محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا قالوا:"هو ميت"فنقول"ومعلمكم غائب"فإذا قالوا:"معلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل"، فنقول:"ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال اللّه تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [سورة المائدة: الآية 3] وبعد كمال التعليم لا يضرّ موت المعلم كما لا يضر غيبته."

فبقي قولهم:"كيف تحكمون فيما لم تسمعوه؟ أبا النص ولم تسمعوه، أم بالاجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف؟» فنقول: نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى اليمن، إذ كان يحكم بالنص عند وجود النص وبالاجتهاد عند عدمه؛ بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي البلاد؛ إذ لا يمكنهم أن يحكموا بالنص، فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع الغير المتناهية، ولا يمكنهم الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام، وإلى أن يقطع المسافة ويرجع فيكون المستفتي قد مات وفات الانتفاع بالرجوع. فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي بالاجتهاد، إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة، لفات وقت الصلاة، فإذن جازت الصلاة إلى غير القبلة بناء على الظن. ويقال"إن المخطئ في الاجتهاد له أجر واحد وللمصيب أجران"فكذلك في جميع المجتهدات، وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير، وربما يظنه فقيرا باجتهاده وهو غني باطنا بإخفاء ماله، ولا يكون هو مؤخذا به وإن أخطأ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ظنه. فإن قال:"ظن مخالفه كظنه"فنقول"هو مأمور باتباع ظن نفسه، كالمجتهد في القبلة يتبع ظن نفسه وإن خالفه غيره"، فإن قال:"فالمقلد يتبع أبا حنيفة أو الشافعي رحمهما اللّه، أم غيرهما"فأقول:"فالمقلد في القبلة عند الاشتباه، إذا اختلف عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت