فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 570

إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم تكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرا في مقدار الدينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. وهذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه، تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته.

فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثا قديما، موجودا معدوما، واجبا محالا. فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولو لا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي؟ فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته. فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا، وأيدت إشكالها بالمنام وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أمورا، وتتخيل أحوالا، وتعتقد لها ثباتا واستقرارا ولا تشك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل؛ فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها؛ لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها؟ فإذا وردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها، ولعل تلك الحالة ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم؛ إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم، إذا غاصوا في أنفسهم وغابوا عن حواسهم أحوالا لا توافق هذه المعقولات؛ ولعل تلك الحالة هي الموت إذ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن، ويقال له عند ذلك: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22] فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس، حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعة إلا بالدليل، ولم يكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل. فأعضل هذا الداء، ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى اللّه تعالى من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين؛ ولم يكن ذلك بنظم دليل وتركيب كلام، بل بنور قذفه اللّه تعالى في الصدر. وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة اللّه تعالى الواسعة؛ ولما سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن «الشرح»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت