فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 570

الثاني: الهيمان إذا سكن قليلا وتكرر طروقه صار القلب متعجبا متحيرا من حسنه وبهائه وهذا هو الهيمان، لأن حقيقة الهيمان ذهاب التماسك تعجبا وتحيرا وهو أثبت دواما.

الثالث: أنسه وتمكينه منه حتى كأنه لم يدخل عليه داخل ولم يطرقه طارق وهذا هو التمكين.

قال الشيخ رحمه اللّه: التمكين إشارة إلى غاية الاستقرار، وذلك أن أي حالة وجدها المحب مع اللّه مرة تقوى عليه، ومرة يقوى عليها، ومرة يتلون، ومرة يثبت إلى أن يتمكن فيستقر، وهذا جار في كل حال، فإذا استقر ارتقى إلى غيره ليكون المرتقى إليه حالا والمرتقى عنه مقاما واللّه أعلم.

و اعلم: أن هذه الأحوال إن وجدها العبد في الملأ دون الخلاء فهو معول يجب عليه المحاسبة ومطالبة نفسه بالعلامات، وإن وجدها في الخلاء دون الملاء فهو حسن ولكنه ناقص عن ذروة الكمال إذ الكمال استواء الحالات خلاء وملاء وحضرا وسفرا وفراغا وشغلا، لأن الفراغ شرط في البداية لا في النهاية. وأما حد الواجب من المحبة: فهو الميل المسبب عن نفس الاعتقاد بأصول الإيمان فيما يتعلق بذات اللّه وصفاته، فإن جهل أصلا من الأصول نقصت المحبة بقدره وكان عليه إثمان: إثم الجهل وإثم فقد ثمرته. وأما حقيقة الإيمان: فهو حضور القلب مع اللّه تعالى وشهوده الآثار الدالة على وجوده، واللّه تعالى أعلم وقد قيل:

الأنس بالله لا يحويه بطال ... و ليس يدركه بالحول محتال

و الآنسون رجال كلّهم نجب ... و كلّهم صفوة للّه عمال

و من غلب عليه حال الأنس لم تكن له شهوة إلا الانفراد والخلوة. وقال الواسطي: لا يصل إلى محل الأنس من لم يستوحش من الأكوان كلها. وقال أبو الحسين الوراق: لا يكون الأنس بالله إلا ومعه التعظيم. لأن كل من استأنست به سقط عن قلبك تعظيمه إلا اللّه تعالى، فإنك لن تزيد به أنسا إلا ازددت منه هيبة وتعظيما.

و قد يكون الأنس، الأنس بطاعة اللّه وذكره وتلاوة كلامه وسائر أبواب القربات. وهذا القدر من الأنس نعمة من اللّه تعالى ومنحة، ولكن ليس هو حال الأنس الذي يكون للمحبين، والأنس حال شريف يكون عند طهارة الباطن وكنسه بصدق الزهد وكمال التقوى وقطع الأسباب والعلائق ومحو الخواطر والهواجس. وحقيقته عندي كنس الوجود بثقل لائح العظمة وانتشار الروح في ميادين الفتوح وله استقلال بنفسه يشتمل على القرب فيجمعه به عن الهيبة وفي الهيبة اجتماع الروح وهذا الوصف أنس الذات. وهيبة الذات يكون في مقام البقاء بعد العبور على ممر الفناء وهما غير الأنس والهيبة اللذان يذهبان بوجود الفناء، لأن الهيبة والأنس قبل الفناء ظهرا من مطالعة الصفات من الجلال والجمال وذاك مقام التلوين، وما ذكرنا بعد الفناء في مقام التمكين والبقاء من مطالعة الذات ومن الأنس خضوع النفس المطمئنة ومن الهيبة خشوعها، والخضوع والخشوع يتقاربان ويفترقان بفرق لطيف يدرك بإيماء الروح واللّه تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت