ما فاتك من الأيام الماضية غدا في القيامة تقول: فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا [السجدة: 12] . فيقال لك أيها الأحمق أنت أتيت منها فكيف ترجع إليها.
يا ولدي: الهمة العالية أن تصرف روحك في الطاعات قبل فرار روحك من الجسد بالموت، لأن الدنيا منزلتك إلى أن تصل إلى المقابر وهؤلاء القوم الذين في منازل المقابر ينتظرونك في كل لحظة إلى أن تصل إليهم فالحذر الحذر من أن تذهب بغير زاد. قال الصديق الأكبر: «الأجساد قفص الطيور أو اصطبل الدواب» . فتأمل في نفسك من أيهما أنت. فإن كنت من الطيور أصحاب الأعشاش سمعت صوت طبل ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: 12] . فطر لتجلس بمكان أعلى وإن كنت من الدواب والعياذ بالله كنت ممن قال اللّه فيهم: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: 179] . واعلم يقينا أنك حينئذ بعثت ذخيرتك في زاوية إلى هاوية.
نقل أن الحسن البصري عطش يوما وكان شديد الحر فأتي له بقدح من الماء البارد فلما مسه بيده وأحس ببرودة مائة صاح صيحة عظيمة وخر مغشيا عليه، فوقع القدح من يده فلما أفاق قيل له: ما الذي حصل لك؟ قال: ذكرت آية أهل النار حين ينادون أهل الجنة: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [الأعراف: 50] .
يا ولدي: إن كان يكفيك العلم المجرد ولم تحتج إلى العمل فما ذا تقول في نداء: هل من سائل هل من تائب هل من مستغفر، لأنه ورد في أخبار صحيحة أنه إذا مضى نصف الليل والناس نيام ينادي المولى سبحانه وتعالى بنفسه: «هل من تائب هل من سائل هل من مستغفر» ، ولذلك صار القيام والاستغفار بالأسحار مطلوبا قال تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ* وبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: 17، 18] .
قيل: إن جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا جالسين ذات يوم بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم فذكروا عبد اللّه بن عمر بن الخطاب بخير، فقال صلى اللّه عليه وسلم: «نعم الرّجل لو يصلّي في اللّيل» . وأيضا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأحد الصحابة: «لا تكثر النّوم باللّيل فإنّ كثرة النّوم باللّيل تدع صاحبها فقيرا يوم القيامة» .
يا ولدي: قوله تعالى: ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: 89] . أمر وبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. شكر والْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: 17] . ذكر. يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم: «ثلاثة أصوات يحبّها اللّه تعالى، صوت الدّيك، وصوت الّذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار» . ويقول سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى: إن للّه تعالى ريحا تهب وقت الأسحار تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. وأيضا له: إذا كان أول الليل نادى مناد من تحت العرش: ألا ليقم العابدون فيقومون فيصلون ما شاء اللّه، ثم ينادي مناد في شطر الليل:
ألا ليقم القانتون فيقومون فيصلون، إلى السحر، فإذا كان السحر ينادى مناد: ألا ليقم المستغفرون فيقومون فيستغفرون، فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون من مفرشهم كالموتى نشروا من قبورهم.