المقتبس من إشراق عالم النبوة، فلذلك حرموا التفطن له إذ حرموا من سر مذهب التعليم.
فقال: إذا استوغرت سبيلهم واستوهنت دليلهم فبما ذا تزن معرفتك؟
فقلت: أزنها بالقسطاس المستقيم ليظهر لي حقها وباطلها، ومستقيمها ومائلها: اتباعا للّه تعالى وتعليما من القرآن المنزل على لسان نبيّه الصادق حيث قال: وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الإسراء: 35] .
فقال: وما القسطاس المستقيم؟
قلت: هي الموازين الخمس التي أنزلها اللّه في كتابه وعلم أنبياءه الوزن بها. فمن تعلم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووزن بميزان اللّه فقد اهتدى. ومن ضلّ عنها إلى الرأي والقياس فقد ضلّ وتردّى.
فقال: أين الموازين في القرآن وهل هذا إلا إفك وبهتان؟
قلت: أ لم تسمع قوله تعالى في سورة الرحمن: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ إلى قوله: ووَضَعَ الْمِيزانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ* وأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ [الرحمن: 1. 9] . أ لم تسمع قوله في سورة الحديد: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25] . أ تظن أن الميزان المقرون بالكتاب هو ميزان البر والشعير والذهب والفضّة؟ أ تتوهّم أن الميزان المقابل وضعه برفع السماء في قوله: والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ الْمِيزانَ [الرحمن: 7] . هو الطيار والقيان، وما أبعد هذا الحسبان وأعظم هذا البهتان، فاتّق اللّه ولا تعسف في التأويل. واعلم يقينا أن هذا الميزان هو ميزان معرفة اللّه تعالى ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وملكه وملكوته لتتعلم كيفية الوزن به من أنبيائه كما تعلّموا هم من ملائكته. فإن اللّه تعالى هو المعلم الأوّل، والثاني جبريل، والثالث الرسول صلى اللّه عليه وسلم، والخلق كلهم يتعلمون من الرسل ما ليس لهم طريق إلى المعرفة به إلا بهم.
فقال: فبم عرفت أن ذلك الميزان صادق أم كاذب؟ أ بعقلك ونظرك؟ فالعقول متعارضة. أم بالإمام المعصوم الصادق القائم بالحقّ في العالم؟ وهو مذهبي الذي أدعو إليه.
فقلت: ذلك أيضا أعرفه بالتعليم، ولكن من إمام الأئمّة محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى اللّه عليه وسلم فإني وإن كنت لا أراه فإني أسمع تعليمه الذي تواتر إليّ تواترا لا أشكّ فيه: وإنما تعليمه القرآن، وبيان صدق موازين القرآن معلوم من نفس القرآن. فقال:"هات برهانك"وأخرج من القرآن ميزانك. وأظهر لي كيف فهمت من نفس القرآن صدقه وصحته.
فقلت له: حدّثني أنت بم تعرف صحة ميزان الذهب والفضّة وصدقه ومعرفة ذلك فرض دينك إذا كان عليك دين حتى نقضيه تامّا من غير نقصان. أو كان لك على غيرك دين حتى تأخذه عدلا من غير رجحان، فإذا دخلت سوقا من أسواق المسلمين وأخذت ميزانا من الموازين وقضيت أو استقضيت به الدين، فبم تعرف أنك لم تظلم بنقصان في الأداء أو برجحان في الاستيفاء؟