فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 570

فهما متباينان أي أحدهما يسلب ذلك الوصف عن الآخر ولا يوصف به، ولما كان حد الميزان الأكبر أن الحكم على الأعمّ حكم على الأخص ويندرج فيه لا محالة، فحدّ هذا أن الذي ينفى عنه ما يثبت لغيره مباين لذلك الغير، فالإله ينفى عنه الأفول والقمر يثبت له الأفول، فهذا يوجب التباين بين الإله والقمر وهو أن لا يكون القمر إلها ولا الإله قمرا. وقد علّم اللّه تعالى نبيّه محمّدا صلى اللّه عليه وسلم الوزن بهذا الميزان في مواضع كثيرة من القرآن اقتداء بأبيه الخليل صلوات اللّه عليهما، فأكتفي بالتنبيه على موضعين وأطلب الباقي من آيات القرآن.

أحدهما: قوله تعالى لنبيّه: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة: 18] .

و ذلك أنهم ادعوا أنهم أبناء اللّه فعلمه اللّه تعالى كيفية إظهار خطابهم بالقسطاس المستقيم، فقال: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، وكمال صورة هذا الميزان أن البنين لا يعذبون وأنتم معذبون، فإذا لستم أبناء، فهنا أصلان: أما أن البنين لا يعذبون فيعرف بالتجربة، وأما أنتم معذبون فيعرف بالمشاهدة ويلزم منهما ضرورة نفي النبوة.

الموضع الثاني: قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [الجمعة: 6 و7] .

و ذلك أنهم ادعوا الولاية، وكان من المعلوم أن الوالي يتمنى لقاء وليه، وكان من المعلوم أنهم لا يتمنون الموت الذي هو سبب اللقاء فلزم ضرورة أنهم ليسوا أولياء للّه. وكمال صورة هذا الميزان أن يقال: كل ولي يتمنى لقاء وليه واليهودي ليس يتمنى لقاء اللّه فلزم منه أنه ليس بولي للّه. وحدّه أن التمني يوصف به الولي وينفى عن اليهود فيكون الولي واليهودي متباينين لسلب أحدهما عن الآخر فلا يكون الولي يهوديا ولا اليهودي وليا. وأما عياره من الصنجة المعلومة فما عندي أنك تحتاج إليه مع وضوحه، ولكن إن أردت استظهارا فانظر أنك إذا عرفت أن الحجر جماد ثم عرفت أن الإنسان ليس بجماد كيف يلزمك منه أن تعرف أن الإنسان ليس بحجر لأن الجمادية تثبت للحجر وتنفى عن الإنسان، فلا جرم أن يكون الإنسان مسلوبا عن الحجر والحجر مسلوبا عن الإنسان فلا الإنسان حجرا ولا الحجر إنسانا. وأما مظنة استعماله في مواضع الغموض فكثير، وأحد شطري المعرفة معرفة التقديس وهو ما يتقدس عنه الرب تعالى علوّا كبيرا وجميع معارفه توزن بهذا الميزان إذ الخليل عليه السلام استعمل هذا الميزان في التقديس، وعلمنا كيفية الوزن به إذ عرف بهذا الميزان نفي الجسمية عن اللّه تعالى. وكذلك نقول إن الإله ليس بجوهر متحيز لأن الإله ليس بمعلول وكل متحيز فاختصاصه بحيزه الذي يختصّ به معلول فيلزم منه أنه ليس بجوهر، وتقول ليس بعرض لأن العرض ليس بحي عالم والإله حيّ عالم فليس بعرض، وكذلك سائر أبواب التقديس تتولد معرفتها أيضا من ازدواج أصلين على هذا الوجه.

أحدهما: أصل سالب مضمونه النفي.

و الثاني: أصل موجب مضمونه الإثبات وتتولد منهما معرفة النفي والتقديس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت