فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 570

أيها الولد: بعض مسائلك من هذا القبيل، وأما البعض الذي يستقيم له الجواب فقد ذكرناه في إحياء العلوم وغيره. وتذكر هاهنا نبدأ منه ونشير إليه فنقول: قد وجب على السالك أربعة أمور:

الأمر الأوّل: اعتقاد صحيح لا يكون فيه بدعة.

و الثاني: توبة نصوح لا يرجع بعدها إلى الزلّة.

و الثالث: استرضاء الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حقّ.

و الرابع: تحصيل علم الشريعة قدر ما تؤدي به أوامر اللّه تعالى. ثم من العلوم الآخرة ما يكون به النجاة.

حكي أن الشبلي رحمه اللّه خدم أربعمائة أستاذ، وقال: قرأت أربعة آلاف حديث، ثم اخترت منها حديثا واحدا وعملت به وخليت ما سواه لأني تأملته فوجدت خلاصي ونجاتي فيه. وكان علم الأولين والآخرين كله مندرجا فيه فاكتفيت به، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لبعض أصحابه:"اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها، واعمل للّه بقدر حاجتك إليه، واعمل للنار بقدر صبرك عليها".

أيها الولد: إذا علمت هذا الحديث لا حاجة إلى العلم الكثير، وتأمّل في حكاية أخرى:

و ذلك أن حاتما الأصمّ كان من أصحاب الشقيق البلخي رحمة اللّه تعالى عليهما، فسأله يوما قال: صاحبتني منذ ثلاثين سنة ما حصلت فيها؟ قال: حصلت ثماني فوائد من العلم وهي تكفيني منه لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها، فقال شقيق: ما هي! قال حاتم الأصمّ:

الفائدة الأولى: إني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبا ومعشوقا يحبه ويعشقه وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت وبعضه إلى شفير القبر، ثم يرجع كله ويتركه فريدا وحيدا ولا يدخل معه في قبره منهم أحد، فتفكرت وقلت: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه في قبره ويؤانسه فيه فما وجدت غير الأعمال الصالحة فأخذتها محبوبا لي لتكون سراجا لي في قبري، وتؤانسني فيه ولا تتركني فريدا.

الفائدة الثانية: إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم ويبادرون إلى مرادات أنفسهم فتأمّلت قوله تعالى: وأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: 40 و41] . وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت إلى خلاف نفسي وتشمرت بمجاهدتها وما متعتها بهواها حتى رضيت بطاعة اللّه سبحانه وتعالى وانقادت.

الفائدة الثالثة: إني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا ثم يمسكها قابضا يده عليه، فتأمّلت في قوله تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: 96] . فبذلت محصولي من الدنيا لوجه اللّه تعالى، ففرّقته بين المساكين ليكون ذخرا لي عند اللّه تعالى.

الفائدة الرابعة: إني رأيت بعض الخلق ظن شرفه وعزه في كثرة الأقوام والعشائر فاغترّ بهم، وزعم آخر أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد فافتخروا بها، وحسب بعضهم الشرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت