فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 570

الشهوة والجاه والمال، ويكون طالب الطريق المستقيم ولم يكن سؤاله واعتراضه عن حسد وتعنّت وامتحان، وهذا يقبل العلاج فيجوز أن تشتغل بجواب سؤاله بل يجب عليك إجابته.

و الرابع: مما تدع وهو أن تحذر من أن تكون واعظا ومذكرا لأن فيه آفة كثيرة إلا أن تعمل بما تقول أولا، ثم تعظ به الناس فتفكر فيما قيل لعيسى عليه السلام، يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتّعظت فعظ الناس وإلا فاستحي من ربك وإن ابتليت بهذا العمل فاحترز عن خصلتين:

الأولى: عن التكلّف في الكلام بالعبارات والإشارات والطامات والأبيات والأشعار لأن اللّه تعالى يبغض المتكلفين، والمتكلّف المتجاوز عن الحدّ يدل على خراب الباطن وغفلة القلب، ومعنى التذكير أن يذكر العبد نار الآخرة وتقصير نفسه في خدمة الخالق، ويتفكر في عمره الماضي الذي أفناه فيما لا يعنيه، ويتفكر فيما بين يديه من العقبات من عدم الإيمان في الخاتمة وكيفية حاله في قبض ملك الموت، وهل يقدر على جواب منكر ونكير، ويهتم بحاله في القيامة وموابقها، وهل يعبر عن الصراط سالما أم يقع في الهاوية، ويستمر ذكر هذه الأشياء في قلبه فيزعجه عن قراره، فغليان هذه النيران وتوجه هذه المصائب يسمى تذكيرا وإعلامهم الخلق واطلاعهم على هذه الأشياء وتنبيههم على تقصيرهم وتفريطهم وتبصيرهم بعيوب أنفسهم التمس حرارة هذه النيران أهل المجلس وتجزعهم تلك المصائب ليتداركوا العمر الماضي بقدر الطاقة، ويتحسروا على الأيام الخالية في غير طاعة اللّه تعالى، هذه الجملة على هذا الطريق يسمى وعظا كما لو رأيت أن السيل قد هجم على دار أحد وكان هو وأهله فيها فتقول: الحذر الحذر، فرّوا من السيل وهل يشتهي قلبك في هذه الحالة أن تخبر صاحب الدار خبرك بتكليف العبارات والنكت والإشارات فلا تشتهي البتة فكذلك حال الواعظ فينبغي أن يجتنبها.

و الخصلة الثانية: أن لا تكون همتك في وعظك أن ينفر الخلق في مجلسك ويظهروا الوجد ويشقوا الثياب ليقال نعم المجلس هذا، لأن كله ميل للدنيا وهو يتولّد من الغفلة، بل ينبغي أن يكون عزمك وهمتك أن تدعو الناس من الدنيا إلى الآخرة، ومن المعصية إلى الطاعة ومن الحرص إلى الزهد، ومن البخل إلى السخاء، ومن الغرور إلى التقوى وتحبب إليهم الآخرة وتبغض إليهم الدنيا، وتعلمهم علم العبادة والزهد لأن الغالب في طباعهم الزيغ عن منهج الشرع والسعي فيما لا يرضى اللّه تعالى به، والاستعثار بالأخلاق الردية فألق في قلوبهم الرعب وروعهم وحذرهم عما يستقبلون من المخاوف، ولعل صفات باطنهم تتغير ومعاملة ظاهرهم تتبدل، وينظروا الحرص والرغبة في الطاعة، والرجوع عن المعصية، وهذا طريق الوعظ والنصيحة، وكل وعظ لا يكون هكذا فهو وبال على من قال ويسمع، بل قيل إنه غول وشيطان يذهب بالخلق عن طريق ويهلكهم. فيجب عليهم أن يفروا منه لأن ما يفيد هذا القائل من دينهم لا يستطيع يمله الشيطان، ومن كانت له يد وقدرة يجب عليه أن ينزله عن منابر المواعظ ويمنعه عما باشر، فإنه من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت