فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 570

الملكوت العالم العلوي والعالم الروحاني والعالم النوراني، وفي مقابلته العالم السفلي والجسماني والظلماني. ولا تظنن أنا نعني بالعالم العلوي السماوات فإنها علو وفوق في حق بعض عالم الشهادة والحس يشارك ادراكها البهائم، وأما العبد فلا تفتح له أبواب الملكوت ولا يصير ملكوتيا إلا وتبدل في حقه الأرض غير الأرض والسماوات، ولا يصير كل ما هو داخل تحت الحس والخيال أرضه ومن جملتها السماوات، وكل ما ارتفع عن الحس سماؤه. وهذا هو المعراج الأول لكل سالك ابتدأ سفره لقرب حضرة الربوبية. فالإنسان مردود إلى أسفل سافلين ومنه يترقى إلى العالم الأعلى، وأما الملائكة فإنهم من جملة عالم الملكوت عالقون في حضرة القدس، ومنها يشرفون على العالم الأسفل، ولذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:"إنّ اللّه خلق الخلق في ظلمته ثمّ أفاض عليهم من نوره". وقال:"للّه ملائكة هم أعلم بأعمال النّاس منهم". والأنبياء إذا بلغ معراجهم إلى عالم الملكوت فقد بلغوا المبلغ الأقصى وأشرفوا على جملة من عالم الغيب، إذ من كان في عالم الملكوت كان عند اللّه وعنده مفاتيح الغيب أي من عنده تنزل أسباب الموجودات في عالم الشهادة، إذ عالم الشهادة أثر من آثار ذلك العالم يجري منه مجرى الظل بالإضافة إلى الشخص ومجرى الثمر بالإضافة إلى المثمر، والمسبب بالإضافة إلى السبب، ومفاتيح معرفة المسببات إنما تؤثر من الأسباب، ولذلك كان عالم الشهادة مثالا لعالم الملكوت كما سيأتي في بيان المشكاة والمصباح والشجرة لأن المشبه لا يخلو من موازاة المشبه به، ومحاكاته نوعا من المحاكاة على قرب أو بعد وهذا الآن له غور عميق. ومن اطلع على كنه حقيقته انكشفت له حقائق أمثلة القرآن على يسر.

دقيقة ترجع إلى حقيقة النور: قلنا: إن كل ما يبصر نفسه وغيره أولى باسم النور، فإن كان من جملته ما يبصر به غيره أيضا من أنه يبصر نفسه وغيره فهو أولى باسم النور من الذي لا يؤثر في غيره أصلا، بل بالحري أن يسمى سراجا منيرا لفيضان أنواره على غيره، وهذه الخاصة توجد للروح القدسي النبوي إذ تفيض بواسطته أنوار المعارف على الخلق وبه يفهم تسمية اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم سراجا منيرا، والأنبياء كلهم سرج، وكذلك العلماء ولكن التفاوت بينهم لا يحصى.

دقيقة: إذا كان اللائق بالذي يستفاد منه نور الإبصار أن يسمى سراجا منيرا فالذي يقتبس منه السراج في نفسه جدير بأن يكنى عنه بالنار، وهذه السرج الأرضية إنما تقتبس في أصلها من أنوار علوية والروح القدسي النبوي يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار إنما يصير نورا على نور إذا مسته النار، فبالحري أن يكون مقتبس الأرواح الأرضية من الأرواح الإلهية العلوية التي وصفها علي وابن عباس عليهما السلام فقالا: إن للّه ملكا له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف فم في كل فم سبعون ألف لسان يسبح اللّه بجميعها، وهو الذي قوبل بالملائكة كلهم فقيل: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ: 38] . فهي إذا اعتبرت من حيث يقتبس منها السرج الأرضية لم يكن لها مثال إلا النار، وذلك لا يؤنس إلا من جانب الطور.

دقيقة: الأنوار السماوية التي منها تقتبس الأنوار الأرضية إن كان لها أن تترتب بحيث يقتبس بعضها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت