فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 570

في البياض أو اللسان لاحترق، ولكن لو قيل لنا: النار محرقة؟ قلنا: نعم. فإن قيل لنا: كلمة النار محرقة؟ قلنا: لا، فإن قيل: حروف النار محرقة؟ قلنا: لا، فإن قيل: مرقوم هذه الحروف على البياض محرقة؟ قلنا: لا، فإن قيل: المذكور بكلمة النار أو المكتوب بكلمة النار محرق؟ قلنا: نعم. لأن المذكور والمكتوب بهذه الكلمة ما في التنور وما في التنور محرق، فكذلك القدم وصف كلام اللّه تعالى كالإحراق وصف النار وما يطلق عليه اسم القرآن وجوده على أربع مراتب. أولها: وهي الأصل وجوده قائما بذات اللّه تعالى يضاهي وجود النار في التنور ولِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: 60] . ولكن لا بدّ من هذه الأمثلة في تفهيم العجزة والقدم وصف خاص لهذا الوجود. والثانية: وجوده العلمي في أذهاننا عند التعلم قبل أن ننطق بلساننا، ثم وجوده في لساننا بتقطيع أصواتنا، ثم وجوده في الأوراق بالكتب، فإذا سئلنا عما في أذهاننا من علم القرآن قبل النطق به. قلنا: علمنا صفته وهي مخلوقة لكن المعلوم به قديم، كما أن علمنا بالنار وثبوت صورتها في خيالنا غير محرق لكن المعلوم به محرق، وإن سئلنا عن صوتنا وحركة لساننا ونطقنا قلنا: ذلك صفة لساننا فلساننا حادث وصفته توجد بعده وما هو بعد الحادث حادث بالقطع، لكن منطوقنا ومذكورنا ومقروؤنا ومتلونا بهذه الأصوات الحادثة قديم، كما أن ذكرنا حروف النار بلساننا كان المذكور بهذه الحروف محرقا وأصواتنا وتقطيع أصواتنا غير محرق إلا أن يقول قائل: حروف النار عبارة عن نفس النار. قلنا: إن كان كذلك، فحروف النار محرقة وحروف القرآن إن كان عبارة عن نفس المقروء فهي قديمة، وكذلك المخطوط برقوم النار والمكتوب به محرق لأنه الأوراق من غير إحراق واحتراق، فهذه أربع درجات في الوجود تشتبه على العوام لا يمكنهم إدراك تفاصيلها وخاصة كل واحدة منهن، فلذلك لا نخوض بهم فيها لا لجهلنا بحقيقة هذه الأمور وكنه تفاصيلها. إن النار من حيث إنها في التنور توصف بأنها محرقة وخامدة ومشتعلة، ومن حيث إنها في اللسان يوصف بأنها عجمي وتركي وعربي وكثيرة الحروف وقليلة الحروف، وما في التنور لا ينقسم إلى العجمي والتركي والعربي، وما في اللسان لا توصف بالخمود والاشتعال، وإذا كان مكتوبا على البياض يوصف بأنه أحمر وأخضر وأسود وأنه بقلم المحقق أو الثلث والرقاع، أو قلم النسخ وهو في اللسان لا يمكن أن يوصف بذلك، واسم النار يطلق على ما في التنور وما في القلب وما في اللسان وما على القرطاس، لكن باشتراك الاسم فأطلق على ما في التنور حقيقة وعلى ما في الذهن من العلم لا بالحقيقة ولكن بمعنى أنه صورة محاكية للنار الحقيقي، كما أن ما يرى في المرآة يسمى إنسانا ونارا لا بالحقيقة ولكن بمعنى إنها صورة محاكية للنار الحقيقي والإنسان وما في اللسان من الكلمة يسمى باسمه بمعنى ثالث، وهو أنه دلالة دالة على ما في الذهن وهذا يختلف بالاصطلاحات، والأول والثاني لا اختلاف فيهما، وما في القرطاس يسمى نارا بمعنى رابع، وهو أنها رقوم تدل بالاصطلاح على ما في اللسان ومهما فهم اشتراك اسم القرآن والنار وكل شيء من هذه الأمور الأربعة، فإذا ورد الخبر أن القرآن في قلب العبد وأنه في لسان القارئ وأنه صفة ذات اللّه صدق بالجميع وفهم معنى الجميع، ولم يتناقص عند الأذكياء وصدق بالجميع مع الإحاطة بحقيقة المراد، وهذه أمور جلية دقيقة لا أجلى منها عند الفطن الذكي ولا أدق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت