فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 570

فقيل له: هل هو في جهة؟

فقال له: هو منزه عن الحلو في المحال والاتصال بالأجسام والاختصاص بالجهات، فإن كل ذلك صفات الأجسام وأعراضها والروح ليس بجسم ولا عرض في جسم، بل هو مقدس عن هذه العوارض.

فقيل له: لم منع الرسول عن صلى اللّه عليه وسلم إفشاء هذا السر وكشف حقيقة الروح بقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85] .

فقال: لأن الأفهام لا تحتمله لأن الناس قسمان عوام وخواص. أما من غلب على طبعه العامية فهذا لا يقبله ولا يصدقه في صفات اللّه تعالى فكيف يصدقه في حق الروح الإنسانية، ولهذا أنكرت الكرامية والحنبلية ومن كانت العامية أغلب عليه ذلك وجعلوا الإله جسما إذ لم يعقلوا موجودا إلا جسما مشارا إليه، ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية وما أطاق أن ينفي عوارض الجسمية فأثبت الجهة وقد ترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة، فأثبتوا موجودا لا في جهة.

فقيل له: ولم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء؟

فقال: لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفات لغير اللّه تعالى، فإذا ذكرت هذا لبعضهم كفروك وقالوا إنك تصف نفسك بما هو صفة الإله على الخصوص، فكأنك تدعي الإلهية لنفسك.

فقيل له: فلم أحالوا أن تكون هذه الصفة للّه ولغير اللّه تعالى أيضا؟

فقال: لأنهم قالوا كما يستحيل في ذوات المكان أن يجتمع اثنان في مكان واحد يستحيل أيضا أن يجتمع اثنان لا في مكان، لأنه إنما استحال اجتماع جسمين في مكان واحد، لأنه لو اجتمعا لم يتميز أحدهما عن الآخر، فكذلك لو وجد اثنان كل واحد منهما ليس في مكان. فبم يحصل التمييز والعرفان؟ ولهذا أيضا قالوا: لا يجتمع سوادان في محل واحد حتى قيل المثلان يتضادان.

فقيل: هذا إشكال قوي فما جوابه؟

قال: جوابه أنهم أخطؤوا حيث ظنوا أن التمييز لا يحصل بالمكان بل يحصل التميز بثلاثة أمور: أحدها بالمكان كجسمين في مكانين، والثاني بالزمان كسوادين في جوهر واحد في زمانين، والثالث بالحد والحقيقة كالأعراض المختلفة في محل واحد مثل اللون والطعم والبرودة والرطوبة في جسم واحد، فإن المحل واحد والزمان واحد، ولكن هذه معان مختلفة الذوات بحدودها وحقائقها، فيتميز اللون عن الطعم بذاته لا بمكان وزمان ويتميز العلم عن القدرة والإرادة بذاته وإن كان الجميع شيئا واحدا، فإذا تصور أعراض مختلفة الحقائق فبأن يتصور أشياء مختلفة الحقائق بذواتها في غير مكان أولى.

فقيل: هنا دليل آخر على إحالة ما ذكرتموه أظهر من طالب التفرقة وهو أن هذا تشبيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت