فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 570

ما لم أبلغ، وعلم ما جهلت فكيف أكون مثله! وإن كان جاهلا قلت: هذا قد عصى اللّه بجهل وأنا عصيته بعلم، فحجة اللّه علي آكد وما أدري بم يختم له، وإن كان كافرا قلت: لا أدري عسى أن يسلك ويختم له بخير العلم، وينسلّ بإسلامه عن الذنوب كما تنسل الشعرة من العجين، وأما أنا والعياذ بالله فعسى أن يضلني اللّه فأكفر فيختم لي بشر العمل، فيكون غدا هو من المقربين وأنا أكون من الخاسرين.

فلا يخرج الكبر من قلبك إلا بأن تعرف أن الكبير من هو عند اللّه تعالى، وذلك موقوف على الخاتمة، وهي مشكوك فيها، فيشغلك خوف الخاتمة عن أن تتكبر مع الشك فيها على عباد اللّه تعالى؛ فيقينك وإيمانك في الحال لا يناقض تجويزك التغير في الاستقبال، فإن اللّه مقلب القلوب يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء.

و الأخبار في الحسد والكبر والرياء والعجب كثيرة، ويكفيك فيها حديث واحد جامع، فقد روى ابن المبارك بإسناده عن رجل أنه قال لمعاذ: حدثني حديثا سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال: فبكى معاذ حتى ظننت أنه لا يسكت، ثم قال: وا شوقاه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإلى لقائه، ثم قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لي: «يا معاذ إنّي محدّثك بحديث إن أنت حفظته نفعك عند اللّه، وإن أنت ضيّعته ولم تحفظه انقطعت حجّتك عند اللّه تعالى يوم القيامة: يا معاذ إنّ اللّه تعالى خلق سبع أملاك قبل أن يخلق السّماوات والأرض، فجعل لكلّ سماء من السّبع ملكا بوّابا عليها، فتصعد الحفظة بعمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، له نور كنور الشّمس، حتّى إذا صعدت به إلى السّماء الدّنيا زكّته وكثّرته، فيقول الملك الموكّل بها للحفظة: اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا صاحب الغيبة أمرني ربّي أن لا أدع عمل من اغتاب النّاس يجاوزني إلى غيري قال: ثمّ تأتي الحفظة بعمل صالح من أعمال العبد له نور فتزكّيه وتكثّره حتّى تبلغ به إلى السّماء الثّانية فيقول لهم الموكّل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، إنّه أراد بعمله عرض الدّنيا، أنا ملك الفخر أمرني أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنّه كان يفتخر على النّاس في مجالسهم. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصلاة وصيام قد أعجب الحفظة، فيجاوزون به إلى السّماء الثّالثة فيقول لهم الملك الموكّل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الكبر أمرني ربّي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنّه كان يتكبّر على النّاس في مجالسهم. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهو كما يزهو الكوكب الدّرّيّ وله دويّ من تسبيح وصلاة وصيام وحجّ وعمرة حتّى يجاوزوا به إلى السّماء الرّابعة، فيقول لهم الملك الموكّل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وظهره وبطنه، أنا صاحب العجب أمرني ربّي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنّه كان إذا عمل عملا أدخل العجب فيه. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد حتّى يجاوزوا به إلى السّماء الخامسة كأنّه العروس المزفوفة إلى بعلها، فيقول لهم الملك الموكّل بها: قفوا واضربوا بهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت