فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 570

آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك، والخلق كلهم يفارقونك في بعض أوقاتك.

و إن كنت عالما، فآداب العالم: الاحتمال، ولزوم الحلم، والجلوس بالهيبة على سمت الوقار مع إطراق الرأس، وترك التكبر على جميع العباد إلا على الظلمة زجرا لهم عن الظلم، وإيثار التواضع في المحافل والمجالس، وترك الهزل والدعابة، والرفق بالمتعلم، والتأني بالمتعجرف، وإصلاح البليد بحسن الإشارة وترك الحرد عليه، وترك الأنفة من قول لا أدري، وصرف الهمة إلى السائل وتفهم سؤاله، وقبول الحجة والانقياد للحق بالرجوع إليه عند الهفوة، ومنع المتعلم عن كل علم يضره، وزجره عن أن يريد بالعلم النافع غير وجه اللّه تعالى، وصد المتعلم أن يشتغل بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين، وفرض عينه إصلاح ظاهره وباطنه بالتقوى، ومؤاخذة نفسه أولا بالتقوى ليقتدي المتعلم أولا بأعماله ويستفيد ثانيا من أقواله.

و إن كنت متعلما، فآداب المتعلم مع العالم: أن يبدأه بالتحية والسلام، وأن يقلل بين يديه الكلام، ولا يتكلم ما لم يسأله استاذه ولا يسأل ما لم يستأذن أولا، ولا يقول في معارضة قوله قال فلان بخلاف ما قلت، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب من أستاذه، ولا يسأل جليسه في مجلسه، ولا يلتفت إلى الجوانب بل يجلس مطرقا عينه ساكنا متأدبا كأنه في الصلاة، ولا يكثر عليه السؤال عند ملله، وإذا قام قام له، ولا يتبعه بكلامه وسؤاله، ولا يسأله في طريقه إلى أن يبلغ إلى منزله، ولا يسيء الظن به في أفعال ظاهرها منكرة عنده فهو أعلم بأسراره، وليذكر عند ذلك قول موسى للخضر عليهما السلام: أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف: 71] وكونه مخطئا في إنكاره اعتمادا على الظاهر.

و إن كان لك والدان، فآداب الولد مع الوالدين: أن يسمع كلامهما، ويقوم لقيامهما، ويمتثل لأمرهما، ولا يمشي أمامهما، ولا يرفع صوته فوق أصواتهما، ويلبي دعوتهما، ويحرص على مرضاتهما، ويخفض لهما جناح الذل، ولا يمن عليهما بالبرّ ولا بالقيام لأمرهما، ولا ينظر إليهما شزرا، ولا يقطب وجهه في وجههما، ولا يسافر إلا بإذنهما.

و اعلم أن الناس بعد هؤلاء في حقك ثلاثة أصناف: إما أصدقاء، وإما معارف، وإما مجاهيل.

فإن بليت بالعوام المجهولين فآداب مجالستهم: ترك الخوض في حديثهم، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم، والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم، والاحتراز عن كثرة لقائهم والحاجة إليهم، والتنبيه على منكراتهم باللطف والنصح عند رجاء القبول منهم.

و أما الإخوان والأصدقاء فعليك فيهم وظيفتان:

إحداهما: أن تطلب أولا شروط الصحبة والصداقة، فلا تؤاخ إلا من يصلح للأخوة والصداقة، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» . فإذا طلبت رفيقا ليكون شريكك في التعلم وصاحبك في أمر دينك ودنياك فراع فيه خمس خصال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت