فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 570

و الحواس جواسيسه. وكل واحد موكل بعالم من العوالم يجمع له أحوال العوالم. وقوة الخيال في مقدم الدماغ كالنقيب يجمع عنده أخبار الجواسيس، وقوة الحفظ في وسط الدماغ مثل صاحب الخريطة يجمع الرقاع من يد النقيب ويحفظها إلى أن يعرضها على العقل، فإذا بلغت هذه الأخبار إلى الوزير يرى أحوال المملكة على مقتضاها.

فإذا رأيت واحدا منهم قد عصى عليك مثل الشهوة والغضب، فعليك بالمجاهدة، ولا تقصد قتلهما؛ لأن المملكة لا تستقر إلا بهما. فإذا فعلت ذلك كنت سعيدا، وأديت حق النعمة، ووجبت لك الخلعة في وقتها، وإلا كنت شقيّا ووجب عليك النكال والعقوبة.

تمام السعادة مبني على ثلاثة أشياء: قوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العلم، فيحتاج أن يكون أمرها متوسطا لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص فيهلك، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه إلى الحمق فيهلك؛ فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العدل دل على طريق الهداية.

و كذلك الغضب إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل، وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية في الدين والدنيا، وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة. وكذا الشهوة إذا زادت كان الفسق والفجور، وإن نقصت كان العجز والفتور، وإن توسطت كان العفة والقناعة وأمثال ذلك.

اعلم أن للقلب مع عسكره أحوالا وصفات بعضها يسمى أخلاق السوء، وبعضها أخلاق الحسن، فبالأخلاق الحسنة يبلغ درجة السعادة، والأخلاق السيئة هلاكه وخروجه للشقاء، وهذه كلها تبلغ أربعة أجناس: أخلاق الشياطين، وأخلاق البهائم، وأخلاق السباع، وأخلاق الملائكة. فأعمال السوء من الأكل والشرب والنوم والنكاح هي أخلاق البهائم، وكذلك أعمال الغضب من الضرب والقتل والخصومة هي أخلاق السباع، وكذلك أعمال النفس وهي المكر والحيلة والغش وغير ذلك هي أخلاق الشياطين، وكذلك أعمال العقل التي هي الرحمة والعلم والخير هي أخلاق الملائكة.

و اعلم أن في جلد ابن آدم أربعة أشياء: الكلب، والخنزير، والشيطان، والملك. والكلب مذموم في صفاته، وليس بمذموم في صورته. وكذلك الشيطان والملائكة ذمهم ومدحهم في صفاتهم، وليس ذلك في صورهم وخلقهم. وكذلك الخنزير مذموم في صفاته، وليس بمذموم في خلقته.

و قد أمر ابن آدم بأن يكشف ظلم الجهل بنور العقل خوفا من الفتنة كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم:"ما"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت