فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 570

وَ مَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمران: 54] وقال تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: 17] فمن أولاه اللّه نعمة فليحذر أن تكون نقمة.

و أما غرور العصاة من المؤمنين فقولهم:"غفور رحيم وإنما نرجو عفوه". فاتكلوا على ذلك وأهملوا الأعمال- وذلك من قبل الرجاء محمود في الدين- وإن رحمة اللّه واسعة، ونعمته شاملة، وكرمه عميم، إنا موحدون مؤمنون، نرجو بوسيلة الإيمان، والكرم والإحسان.

و ربما كان منشأ حالهم التمسك بصلاح الآباء والأمهات، وذلك نهاية الغرور، فإن آباءهم مع صلاحهم وورعهم كانوا خائفين، ونظم قياسهم الذي سول لهم الشيطان: أن من أحب إنسانا أحب أولاده، فإن اللّه قد أحب آباءكم فهو يحبكم، فلا تحتاجون إلى الطاعة، فاتكلوا على ذلك واغتروا بالله. ولم يعلموا أن نوحا عليه السلام أراد أن يحمل ابنه في السفينة، فمنع، وأغرقه اللّه بأشد ما أغرق به قوم نوح، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم استأذن في زيارة قبر أمه وفي الاستغفار لها، فأذن له في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار ونسوا قوله تعالى: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: 18] وقوله تعالى: وأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: 39] فإن من ظن أنه ينجو بتقوى أبيه، كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه أو يروى بشرب أبيه، والتقوى فرض عين لا يجزى فيها والد عن والده، وعند جزاء التقوى يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه إلا على سبيل الشفاعة. ونسوا قوله صلى اللّه عليه وسلم: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه الأمانيّ» ، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 218] وقال تعالى:

جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] وهل يصح الرجاء إلا إذا تقدمه عمل؟ فإن لم يتقدمه عمل فهو غرور لا محالة، وإنما ورد الرجاء لتبريد حرارة الخوف واليأس، ولتلك الفائدة نطق به القرآن والترغب في الزيادة لا محالة.

و يقرب منهم غرور طوائف لهم طاعات ومعاص، إلا أن معاصيهم أكثر، وهم يتوقعون المغفرة ويظنون أن ترجح كفة حسناتهم، وكفة سيئاتهم أكثر. وهذا غاية الجهل، فترى الواحد يتصدق بدراهم عديدة من الحلال والحرام، ويكون ما يتناوله من أموال الناس والشبهات أضعافه، فهو كمن وضع في كفة الميزان عشرة دراهم ووضع في الكفة الأخرى ألفا وأراد أن تميل الكفة التي فيها العشرة، وذلك غاية الجهل.

و منهم من يظن أن طاعته أكثر من معاصيه، لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيها، وإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت