فغفلوا عن قلوبهم واشتغلوا بظواهرهم؛ ومن لا يصغي قلبه لا تصح طاعاته، وهو كمريض ظهر به الجرب فأمره الطبيب بالطّلاء وشرب الدواء، فاشتغل بالطلاء وترك شرب الدواء، فأزال ما بظاهره ولم يزل ما بباطنه، وأصل ما على ظاهره مما في باطنه، فلا يزال جربه يزداد أبدا مما في باطنه، فلو زال ما في باطنه استراح الظاهر؛ فكذلك الخبائث إذا كانت كامنة في القلب يظهر أثرها على الجوارح.
(و فرقة أخرى) علموا هذه الأخلاق الباطنة وعلموا أنها مذمومة من جهة الشرع، إلا أنهم لأجل تعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها، وأنهم أرفع عند اللّه من أن يبتليهم بذلك، وإنما يبتلي به العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم، فأما هم فهم أبلغ عند اللّه من أن يبتليهم بذلك، وظهرت عليهم مخايل الكبر والرئاسة، وطلب العلو والشرف، وغرورهم أنهم ظنوا أن ذلك ليس بكبر وإنما هو عز للدين وإظهار لشرف العلم ونصرة دين اللّه، وغفلوا عن فرح إبليس به، وعن نصرة النبي صلى اللّه عليه وسلم بما ذا كانت وبما ذا أرغم الكافرين، وغفلوا عن تواضع الصحابة وتذللهم وفقرهم ومسكنتهم، حتى عوتب عمر رضي اللّه عنه على بذاذته عند قدومه الشام فقال: إنا قوم أعزنا اللّه بالإسلام لا نطلب العز في غيره.
ثم هذا المغرور يطلب عز الدين بالثياب الرفيعة، ويزعم أنه يطلب عز العلم وشرف الدين، ومهما أطلق اللسان بالحسد في أقرانه أو فيمن رد عليه شيئا من كلامه لم يظن بنفسه أن ذلك حسد ويقول: إنما هو غضب للحق، ورد على المبطل في عداوته وظلمه، وهذا مغرور، فإنه لو طعن على غيره من العلماء من أقرانه ربما لم يغضب بل ربما يفرح، وإن أظهر الغضب عند الناس فقلبه ربما يحبه، وربما يظهر العلم ويقول: غرضي به أفيد الخلق؛ وهو به مراء، لأنه لو كان غرضه صلاح الخلق لأحب صلاحهم على يد غيره ممن هو مثله أو فوقه أو دونه.
و ربما يدخل على السلاطين ويتودد إليهم ويثني عليهم، فإذا سئل عن ذلك قال: إنما غرضي أن أنفع المسلمين وأدفع عنهم الضرر؛ وهو مغرور، فلو كان غرضه ذلك لفرح به إذا جرى على يد غيره، ولو رأى من هو مثله عند السلطان يشفع في أحد لغضب.
و ربما أخذ من أموالهم، فإذا خطر بباله أنه حرام قال له الشيطان: هذا مال بلا مالك، وهو لمصالح المسلمين، وأنت إمام المسلمين وعالمهم، وبك قوام الدين. وهذه ثلاث تلبيسات:
أحدها أنه مال لا مالك له، والثاني أنه لمصالح المسلمين، والثالث أنه إمام؛ وهل يكون إماما إلا من أعرض عن الدنيا كالأنبياء والصحابة وأفاضل علماء هذه الأمة؟ ومثله كما قال عيسى عليه السلام: العالم السوء كصخرة وقعت في فم الوادي، فلا هي تشرب الماء، ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع.
و أصناف غرور أهل العلم كثيرة وما يفسد هؤلاء أكثر مما يصلحونه.