فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 570

فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32] فإذا أوصلت إلى النفوس برّا وصدقة وخيرا وعدلا وإشفاقا، سرى ذلك إلى جميع النفوس بعد القبض فصار خيرا، فإذا وصل بهم كان ذلك خيرا للجميع، أ لا ترى قول الرجل لامرأته: بعضك طالق، كيف يسري الطلاق في الكل؟ إذ الطلاق لا يتبعض.

و ليكن لك أيها الملك إمام يؤمّ بك، وليكن عالما دينا يعرف بذلك، وليكن شيخا أو أعمى. وعلم مماليكك خطّا ورموزا، فإن اتفق أن يكون المعلم خادما أو شيخا فأولى.

و للنساء امرأة دينة. واعلم أيها الملك أن أهل الزمان فاسدون لتشاغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وهو أعظم المقت والسخط، ومنه حصلت الإباحة لبعض الطوائف حتى بسطوا فيه وأقاموا لهم فيه شبها نقلية وعقلية: أما النقلية فقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29] قالوا: هكذا كان الناس على المنهج القديم ليس تحليل ولا تحريم، ولكن الأنبياء حللوا أشياء وحرموا أشياء. وقال تعالى: ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [فصلت: 7] وقد تعلقوا بإباحة أبي بكر رضي اللّه عنه أموال بني حنيفة، وزعموا أن الخطاب من الرسل إما أن يكون لموجود أو لمعدوم، فالمعدوم لا يخاطب، والموجود المخاطب في زمانهم فقد درج معهم. فمن هذه الشبهة تمسك أرباب الإباحة مثل النصيرية وغيرهم، وسنذكر تعلقاتهم في أماكنها. وقد عرفتك أيها الطالب طريقك النفيسة مثل لبس النظيف والطيب وقلة الكلام بطريق الاختصار.

و أدب أصحابك أن لا يشكو منهم قريب ولا بعيد مثل قول الحكماء: ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك:

ولدك وزوجتك والمملوك. وإياك وقرب الملوك، فإن قربوك فتنوك، وإن بعدوك أحزنوك.

و هذه وصايا الملوك، فإن هممت بتحصيله فربما أعانتك السعادة، وإن أراد اللّه أمرا هيأ أسبابه وحرك القضاء بتحريكه، وقد كان اللّه قادرا على تحصيل الرطب لمريم من غير هز كما قال في النظم البديع:

أ لم تر أنّ اللّه قال لمريم ... و هزّي إليك الجذع يساقط الرّطب

و لو شاء أحنى الجذع من غير هزّها ... و لكنّما الأشياء تجري لها سبب

فإن وقع لك صناعة الحجرين الأحمر والأبيض فحصله، ولكن ذاك عنك بعيد، وبالهمة يفتح عليك بعض هذه الطريق، أما سمعت في رموز أمير المؤمنين رضي اللّه عنه أن في الزئبق الرجراج مع الشب المصعد لمالا هنيا؟ فذوو الهمم القصيرة يقصرونك عن نيل مقاصدك، وإلا فمن طلب وجد ومن جدّ وجد، ولهذه مثل، وهو أن بعض المتصوفة سمع هذا الحديث فقال: سأجرب نفسي في طلب المملكة، وكان فيه آلة من علم وأدب، وكان محلّا قابلا للملك، فتقرب إلى الفراشين فخدم معهم ففشا أمره في السيرة الحميدة، ثم مات مهتارهم فصار مكانه، ثم عبث في الديوان حتى انتقل إلى مكان زمامهم، فلما انتشر شكره وذاع خبره وذكره قبض الوزير ورتب مكانه، فساس الرعية وأظهر العدل واستراح الناس من ثقل ما كانوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت