وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [النور: 35] هذا معنى قوله تعالى:"لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع وبي يبصر، فمن يبصر ويسمع بي أقل ما أعطيه أن أخرق بيني وبينه روزنة يراني بها، وينظر من غير مثال، وأعطيه نورا يفرق به بين حقائق معلومات". معناه تحمل قلوبهم في صلاتهم إلى حظيرة القدس فيشاهدون جلال الربوبية من الديمومية، وتظهر لهم شموس المعرفة من صفاء سماء حقائق القلوب، وتنجلي لهم حالات الآخرة بذاتها مثل ميزان العقل وصراط اليقين، وهو معنى قوله عليه السلام:"أرحنا بها يا بلال"ومعنى قوله تعالى: واسْجُدْ واقْتَرِبْ [العلق: 19] قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه:"عند سجود العارف لذي المعارج يرفع الحجاب فيرفع القلوب الطاهرة إلى سدرة المنتهى، فيتجلى لها أنوار القدس ويفتح لها أبواب جنات حرم الحق، فيعطي ما تريد لتابعتها لما تريد"كما تمثل فيه بعض أهل التوحيد (شعر) :
أريد عطاءها وتريد مني ... فأترك ما أريد لما تريد
و إذا صفت القلوب في الصلاة من الوساوس المرذلة، حظيت بالمشاهدة لرفع غمام الغم وظلم الوساوس عن عرصات القلوب، فهناك نشاهد الأفلاك والأملاك مثل ما نظمه القاضي البستي:
رؤية الحقّ بالعمى عن سواه ... و عيون ترنو به ستراه
هو في الكلّ ظاهر غير أن ال ... لهو بالعيش والهواء ستراه
و سأضرب لك مثلا فأقول: اعلم أن القلب كعرصة فيها شجرة أراد أحد أن يصلي تحتها فوجد فيها عشاش طيور بزقازق وهدير منعته عن لذة قراءته ومناجاته، فإن تشاغل بطرد الطيور فاته الوقت، فلا سبيل إلى وجود اللذة إلا قطعها، وأنت قد غرست في قلبك شجرة حب الدنيا، وملأت الشجرة بوسواس اكتسابك وهمك وغمك، فإن قطعتها صفا حالك وعظم إجلالك وتجلى جلالك كما قال الجنيد:
تركت همّ الدنيا فصفا عيشي ... و تركت همّ الآخرة فصفا قلبي
و السر في الصلاة إنما هو كتقرب الخادم إلى المخدوم إذ يراه في قواليب الذل والانكسار عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا [الإسراء: 79] وهو معنى قول سقراط: اشتباك نغمات الأصوات من هياكل العبادات، تحل ما يعقد في الأفلاك الدائرات. إذ باب خواص الأدعية مفتوح ترجم عنه القرآن: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] وصفة داود مع المزامير معروفة، كان إذا كان له حاجة جاء بزهاد المجاهدة، وأقامهم في محاريبهم، ووكل بكل واحد منهم صاحب مزمار ليقطع بلذة نغمه قلب المريد إلى حاجة داود، فتسرع الإجابة كإجابة الاستسقاء، والسحر المعول به متأثرة من الهمة.