و الثانية: أن لا يستعمل الاستدلال به في ما لا يصح ويقضي على الغائب بما لا يقطع به على الشاهد ويزعم القطع به.
و الفرق بينه وبين ما أمرنا استعماله أنه أمر باستعماله على جهة الحكمة وهو أن يكون له مذكرا أو زاجرا من غير قاطع، وهذا المستدل يزعم أنه يقطع بما أخذ عنه من القياس كمن يزعم أن للبارئ سبحانه صورة كصورة الإنسان وأن علمه كعلمنا أو قدرته كاقتدارنا. وينتهي إلى ضرب من ضروب التجسم. قال اللّه تعالى: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ والْأَرْضِ ولا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: 51] . وإنما نستعمل من ذلك ما أحسسنا أو شهدت التجربة به مما يزعمه المعتنون بالتشريح على طول الدهر فهذا مما لا يمتنع.
و إذا فهمت هذا القدر وساعدت عليه وأنست لقوله عليه السلام:"إنّ اللّه خلق آدم على صورته"، وفهمت أن معنى ذلك خلقه خلقة على شبه العالم، فاعلم أن الإنسان عبارة عن حيوان ناطق مائت منتصب القامة ضحاك، فهذا حد يتناول نفسه وجسمه لضرورة الفصل بينه وبين الأشخاص الحية وإلا فقولنا حيوان ناطق يتناول نفسه فقط. ثم هذا الحيوان الناطق أعني الإنسان تنقسم جملته في التقسيم الكلي إلى ثلاثة أشياء: نفس وروح وجسم.
فالجسم هو المؤتلف من المواد والعناصر الحاملة لروحه ونفسه وهو الشكل المنتصب ذو الوجه واليدين والرجلين الضاحك.
و أما الروح: فهو الجاري في العروق الضوارب والشرايين.
و أما النفس: فهو الجاري في العروق الضوارب والشرايين.
و أما النفس: فهو الجوهر القائم بنفسه الذي ليس هو في موضع ولا يحل شيئا، وسنشبع الكلام عليه مقدار ما يحتمله الموضع فنتكلم على الجسم بمقدار ما يرشد إلى الغرض. ويكون معينا لما عسى أن نذكره من أمر النفس، فنقول قال تعالى: ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] . وقال تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: 29] . فأخبر تبارك وتعالى عن ثلاثة أمور جسمه وروحه ونفسه، وحقيقة الروح الحرارة الغريزية المنبعثة في الأعصاب والعضلات وهي موجودة للبهيمة وبها حياتها، والفصل بين الآدمي والبهيمة هي النفس التي أضافها اللّه تعالى إليه في قوله تعالى ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: 29] . فلو كانت للآدمي هذه النفس دون الروح المخلوقة للبهيمة لقصر عن أفعال البهيمة في الأكل والجماع والتصرف، ولو أن البهيمة أعطيت النفس التي أعطيها الإنسان لكانت عاقلة مكلفة فخرج من الجملة أن للإنسان روحا ونفسا وجسما، وللبهيمة جسما وروحا لا غير، فأما آدم عليه السلام، فمخلوق من التراب والماء والهواء والنار، وقد قال تعالى ذلك في قوله سبحانه: مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. وفي قوله سبحانه: وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ ءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30] . وأما النار فقوله تعالى: مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: 14] . فأول الدرجات التّراب، فإذا مسه الماء قيل له طين فإذا مرت عليه دهور بكرور الشمس واكتسب منها يبسا وجفافا قيل له صلصال كالفخار لنشوفته،