فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 570

أن لا عود للأجسام والأرواح إلى الصانع القديم القادر، أ هو ذاك أم غيره سواه؟ أ تتجحد عليه وتتحكم وتعجزه في قدرته وآيته ونبوته؟ أ فمن رباك في بطن أمك أ فلا يربيك في بطن قبرك؟

ثم تقول: تختلط العظام بعضا ببعض، فكيف السبيل إلى تخليصها؟ فانظر إلى الصانع كيف يخلص التراب وبرادات الذهب والفضة والحديد، وهو أجزاء تعجز أنت خلاصها، فالصانع القادر ليس بمعجز ولا يدخل تحت طوق ما تريد، وإنما أنت عاجز تعجز وتغتر بمقالات أبي علي بن سينا، أقد صار عندك أصدق من محمد صلى اللّه عليه وسلم؟ فانظر إلى فعل هذا وهذا، ثم احكم بالفسق والعدالة، وارفع الحكومة إلى حاكم عقلك في التصديق والتعديل واحسبهما حكمين، فإن قلت هذا عقل وهذا نقل فانظر ما يذكرون لك من حوائج طلبك، أ لا تسأله عن خواصها وبراهينها وتقول: لم يقبض هذا ويسهل هذا؟ فيكون جوابك عنده إنما أنت معارض أم مريض، فكيف تعارض طبيب آخرتك وقد كان الذين قبلك أكثر منك بصيرة وعقلا، علموا أن الاعتراض والتعجيز كفر فأسلموا منه وآمنوا. فجاهد نفسك واتبع شرعك فلا تخالف نبيك، وأكرم كتابك فهو هدية اللّه إليك. وقبيح بمن أكرمه ملكه بهديته أن يستهين بها. وعن قليل تلتقي وتتواقف وتستحيي، وإن كانت الروح راجعة إلى مبادئها عند بارئها، فإن صدق الشرع فهناك يتبين غليظ التوبيخ. والجماهير أكثر منك، إذ أنت منخرط في سلك نظام الآحاد لا التواتر. تبعت طاعة نفسك فأردتك إلى البلايا، وإلا فانظر الليل والنهار، والصيف والشتاء والربيع والخريف، وتنقل الأحوال فيهما، وإحياء الأرض بعد موتها، ونومك وانتباهك بغير اختيارك، وآيات كثيرة أنت عنها غافل، ثم ارجع إلى مجاهدة نفسك تمح صفاتها الذميمة وتثبت صفاتها الحميدة المستقيمة. فاقمع الغضب بالرضا، والكبر بالتواضع، والبخل بالبذل، والإمساك بالصدقة، والصمت بالذكر، والنوم باليقظة، والشبع بالجوع، والغفلة بالانتباه، والخلطة بالخلوة، والاشتراك بالعزلة، والمداهنة بالصدق، والشهوة بالقمع، والباطل بالحق، فإذا محوت صفات آفاتك بان لك عند رفع ستر الغفلة كيف يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير. لكنك شيطان مريد، وتزعم أنك للّه مريد، فأين آثار حلاوة التوحيد؟ نام واحد من بني إسرائيل في موعظة داود عليه السلام، فأوحى اللّه تعالى أن يا داود من ادعى محبتي ثم ينام عند ذكري فقد كذب. لما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل عليه السلام في منامه فقال:

يا أبت هذا جزاء من نام عن خليله. وآدم لما نام خلقت حواء. قال الشاعر (شعر) :

عجبا للمحبّ كيف ينام ... كلّ نوم على المحبّ حرام

و اعلم أن قلبك هو المدينة التي أشرنا، فيقدم شيطان نفسك إلى تعبئة جيوش الهوى، وعساكر حب الدنيا، ونقاب الوساوس، ونقاب التمني، ومشاغل سوء الظن، ومناجيق المخالفة، وبوق الكبر، وطبول إساءة السمعة، وأسياف خيل الشره، وزحف رجل المكر وأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ [الإسراء: 64] فإذا أحاطت هذه الجيوش بهذه المدينة، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت