يتفاوت على قدر درجات المحبين، وليس نظر الخلق كله واحدا، فأدنى درجاتهم النظر القلبي، أما النظر البصري فهو عند قوم عرض غير دائم، وأعظم المنزلين هو الجمع بين النظر والقلب، فإذا رفعت ستور الغفلة والهواء تجلى المحبوب فتلاشى المحب حتى يخرج من الستور والبشرية والحجاب الجسماني فيرى الحجاب ويسمع الخطاب وما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: 51] فعند ذلك يمتد له خطاب من الهواء في جميع ما يحدث في الكائنات فيصير عيسوي الحال وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران: 49] فيصير الملائكة ومؤمنو الجن بحكمه وطاعته، وينخرق بينه وبين اللّه روزنة يعلم بها خلاصة صفاء أسرار الكائنات، ولكن بشرط خير العلم، والعمل بصدق من غير تجربة. فإذا هبت نسمات اللطف برفع حجاب الغفلة انقلبت له الكائنات على ما يريد، إذ الإرادتان امتزجتا: واحدة كما سبق في أحوال الصوفية من قولهم:
فإذا أبصرتنا أبصرته ... و إذا أبصرته أبصرتنا
فيصير الناسوت معنى لطيفا يحدث له من الغيب قوة يقبل بها جميع الواردات عليه، فمنه ثمار الكرامات والتحدث بالأمور الغيبيات، يعرفه الباحث من جنسه وسائر الطير له منكر، فتتجوهر النفس بزوال الأعراض الفاسدة عنها، فتصير قدسية لا يخفى عليها الأمور الغيبية.
فإن قلت: هذا نوع مشاركة عزت على الأنبياء فكيف ينالها الأولياء؟ فاعلم أن أصل الغيب هو من اللّه القديم، فمنته عليهم اطلاعهم على شيء من علوم الغيب، أما سمعته يقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26] وقوله مِنْ رَسُولٍ وهو ستر على الحال لئلا يحسب أجلاف العامة أنها مشاركة غيبية، وهذا غير بعيد إذ خزائن الملوك يطلع عليها المملوك، والأمور المستورة من المعشوق فقد يشاهدها العاشق الصادق قياسا بالصورة الحسناء يشاهدها مالكها وهي مستورة عن الغير وتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: 43] وقد سمعت الجنيد يقول: كل أحد حلاج لكن ليس كل أحد خراج، وقال أبو يزيد البسطامي: من وصل درجة التمكين فهو طبيب يقعد على سرير أسرار الخلق، فيطلع بإذن مالكه على خواطر أسرار الملوك مثل اطلاع مملوكك المحبوب عليك في حالاتك، أ ليس فاطمة السلماسية كانت تخرج وقد أذن مؤذن الظهر من سلماس فتصلي الظهر جماعة في بسطام؟ فإن قلت: هذا غير ممكن، فإنها حالة لم تنخرق للأنبياء فكيف لغيرهم؟ الجواب أنك تحكم على اللّه أو على نفسك، فإن كان على نفسك فأنت أخبر، وإن كان على اللّه فأنت أصغر. فمن عجز عن عدد عروقه وعظامه ولا يحصر عدد أدوار عمامته على هامته، فكيف يدخل بين اللّه وبين غلامه؟ ثم ما علمت ما أعطى اللّه للأنبياء، فإن علمت بعض علومهم من طريق النقل فالمعجز يكذب العقل ويحكم عليه، فبواطن أسرارك لا يطلع عليها ولدك ولا جارك، فكيف مليكك وجبارك، وقد قال لك فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ