فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 570

و نيل مقصد المملكة، هو بالاشتغال فيما يجذبها من التهاب وما يشاكلها. فإن قلت هذه سعادات أزلية، فمن قدر له في السابق شيء أخذه وبلغه ولا يمحى ما سطر على جبين العبد، فقد صدقت، ولكن مت تحت غبار طلب العز لا على مزابل الشهوات بالذل كما مر بك الإنشاد السابق (شعر) :

اطلب العزّ في لظى وذر الذلّ ... و لو كان في جنان الخلود

و قد سمعت كلاما لمعاوية إذ قال: هموا بمعالي الأمور لتنالوها، فإني لم أكن للخلافة أهلا فهممت بها فنلتها. وقد ذكرت حكاية في كتاب"سر خزانة الهدى والأمد الأقصى إلى سدرة المنتهى"أنه مات بعض الملوك، فغلقت المدينة وقالوا: لا نملكها إلا لملك كان في ساعده علامة نور شعشعاني، فورد إليهم رجل فقير وفي ساعده نور كما كان في ساعد الملك المتقدم، وكان ينظر إليه وزير المدينة بعين الدراية بعد أن ملكوه البلد، فدخل الوزير إليه بهدية وهي قشرة من عود قناري كجفنة كبيرة، فقال الملك: من أين لك هذا؟ فقال الوزير: كثير مثل هذا يجيء في نهرنا، فقال الملك: لا تستقر في الوزارة حتى تأتيني بخبره وفي أي بلد يكون، فاتخذ الوزير له مركبا فسار حتى دخل تحت جبل، فلما قطعه بخروجه إلى جانبه الآخر رأى بلادا أشجارها كلها مثل هديته، ثم رأى جماعة قائمة منقطعين في جبل فقال: ما الذي يريد هؤلاء ويفعلون؟ فقالوا كلهم في طلب الملك يتجرعون سنة مع أنواع المجاهدات فمن رقي على ساعده نور أبيض فهو مستحق الملك، فلما عاد الوزير أخبر الملك بقصة ما رآه فقال الملك: لا تحتقر فتحتقر، وسافر واعمل لتذكر، فهذا علو الهمة بالجوع والمجاهدات، ثم قال: لا يغرنك الجواشن والبيض.

و قد رأيت بعينيك مشار علو الهمة فإن أردت ذلك فعليك بالجوع والعلم والخلوات يكشف لك العلامات بسرائر الكائنات، فاطلب وجد واجتهد، فنيل مقاصد الرجال من غير تعب هذيان. والحمد للّه رب العالمين، وصلاة اللّه وسلامه على سيد المرسلين آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت