ابن الخطاب رضي اللّه عنه عن هول المقام حيث قال: فلو كان ذلك يا بن الخطاب عمل سبعين نبيا لظننت أنك لا تنجو من ذلك اليوم إلا قوما استثناهم اللّه في هول الفزع والصعق وهم أهل المقام الرابع. لا شك أن موسى أحدهم والاستثناء من بلوغ الأمر، ولو كان هناك أحد لأجاب اللّه تعالى حين يقول لمن الملك اليوم لقال: لك يا واحد يا قهار.
فإذا استوى كل أحد قاعدا على قبره فمنهم العريان والمكسو والأسود والأبيض، ومنهم من يكون له نور كالمصباح العظيم، ومنهم من يكون له نور كالشمس، إلا أن كل واحد منهم لا يزال مطرقا برأسه ما يدري ما يصنع ألف عام، حتى تظهر نار من المغرب لها دويّ تسوق الخلق إلى المحشر، فيندهش لها رءوس الخليقة إنسا وجنا، ووحشا وطيرا، فيأخذ كل واحد عمله ويقول قم وانهض إلى المحشر، فمن كان له حينئذ عمل جيد تشخص عمله بغلا، ومنهم من تشخص عمله له حمارا، ومنهم من تشخص له عمله كبشا، تارة يحمله وتارة يلقيه.
و يجعل لكل واحد نور شعاعيّ بين يديه، وعن يمينه مثله، يسري بين يديه في الظلمات وهو قوله تعالى نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ [التحريم: 8] . وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة حالكة لا يستطيع أحد ينظر فيها، يختار فيها الكفار ويتردد المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكها وشدة حندسها ويحمد اللّه على ما أعطاه من النور المهتدى به في تلك الشدة، ويسعى بين أيديهم، لأن اللّه يكشف للعبد المؤمن المتنعم عن أحوال أهل الشقاء المعذبين ليستبين له سبل الفائدة، كما فعل أهل الجنة وأهل النار حيث يقول فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات: 55] . وكما قال سبحانه وتعالى وإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: 47] . لأن أربعا لا يعرف قدرها إلا أربعة: لا يعرف قدر الحياة إلا الموتى، ولا يعرف قدر الشدة إلا أهل النعم، ولا يعرف قدر الغنى إلا الفقراء، ولا يعرف قدر الصحة إلا المرضى. ومن الناس من يسعى على قدميه وعلى أطراف بنانه، ومنهم من له نور ينطفئ تارة ويشتعل أخرى، وإنما نورهم عند البعث على قدر إيمانهم، وسرعة خطواتهم على قدر أعمالهم. قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث صحيح «كيف نحشر يا رسول اللّه؟ قال: اثنان على بعير، وخمسة على بعير، وعشرة على بعير» ومعنى هذا الحديث واللّه أعلم أن قوما يتلاقون في الإسلام فيرحمهم اللّه تعالى، خلق لهم من أعمالهم بعيرا يركبون عليه، وهذا من ضعف العمل، لأنهم مشتركون معهم، فهم كقوم خرجوا في سفر بعيد وليس معهم أحد، منهم من يشتري مطية توصله، فاشترك في ثمنها رجلان أو ثلاثة، فاشتروا مطية يتعقبون عليها في الطريق وقد يبلغ بعير مع عشرة. فهذا العجز في العمل معناه قبض اليد في المال، أي منع التصرف فيه، ومع هذا يحكم له بالسلامة. فاعمل هداك اللّه عملا يكون لك بعيرا خالصا من الشركة، واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح، فالمتقون وافدون