فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 570

بأن يتراوح السر عن الهم الملم.

ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى اللّه تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي في المقام بالشام؛ فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم ألا أعاودها أبدا. واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا؛ إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين وكان ذلك مبلغهم من العلم.

ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة؛ وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم. ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال، ترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح لكونه وقفا على المسلمين؛ فلم أر في العالم ما لا يأخذه العالم لعياله أصلح منه.

ثم دخلت الشام وأقمت به قريبا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر اللّه تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية. وكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق أصعد منارة المسجد طول النهار وأغلق بابها على نفسي.

ثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي. ثم تحركت فيّ داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول اللّه تعالى عليه السلام بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات اللّه عليه؛ فسرت إلى الحجاز.

ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه؛ فآثرت العزلة به أيضا حرصا على الخلوة وتصفية القلب للذكر.

و كانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد، وتشوش صفوة الخلوة. وكان لا يصفو لي الحال في أوقات متفرقة؛ لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق وأعود إليها. فدمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره لينتفع به: أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق اللّه تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق؛ بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت