هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم، وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي هؤلاء هم المتجملون بالإسلام. وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن، ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم الشريعة بلسانه، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، وأنواعا من الفسق والفجور! وإذا قيل له"إذا كانت النبوة غير صحيحة فلم تصلي؟"فربما يقول:"لرياضة الجسد، ولعادة أهل البلد، وحفظ المال والولد!"وربما قال"الشريعة صحيحة، والنبوة حق"فيقال: فلم تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تشحيذ خاطري". حتى إن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها: أنه عاهد اللّه تعالى على كذا وكذا، وأن يعظم الأوضاع الشرعية، ولا يقصر في العبادات الدينية ولا يشرب تلهيا بل تداويا وتشافيا، فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان والتزام العبادات، أن استثنى الخمر لغرض التشافي."
فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم. وقد انخدع بهم جماعة، زادهم انخداعهم ضعف اعتراض المعترضين عليهم، إذ اعترضوا بمجاحدة علم الهندسة والمنطق، وغير ذلك مما هو ضروري لهم، على ما بينا علته من قبل.
فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب، ورأيت نفسي لازمة مجتهدة ملبة بكشف هذه الشبهة، حتى كان فضح هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء لكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، أعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء، انقدح فو نفسي أن ذلك متعين في الوقت محتوم. فما ذا تغنيك الخلوة والعزلة وقد عم الداء، ومرض الأطباء، وأشرف الخلق على الهلاك؟ ثم قلت في نفسي: متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة، والدور دور الباطل؟ ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان في جمعهم. وأنّى تقاومهم، فكيف تعايشهم، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر؟ فترخصت بيني وبين اللّه تعالى بالاستمرار على العزلة، تعللا بالعجز عن إظهار الحق بالحجة؛ فقدر اللّه تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه لا بتحريك من خارج؛ فأمر أمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور لتدارك هذه الفتنة، وبلغ الإلزام حدا كاد ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة، فخطر لي أن سبب الرخصة قد ضعف، فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة، وطلب عز النفس وصونها عن أذى الخلق، ولم ترخص نفسك لعسر مقاساة الخلق، واللّه تعالى يقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت: 1، 2، 3] .
و يقول عز وجل لرسوله وهو أعز خلقه ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: 34]