فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 570

بفن من العلوم، كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس علمه برهان النبوة.

و أما من أثبت النبوة بلسانه وسوى أوضاع الشرع على الحكمة، فهو على التحقيق كافر بالنبوة، مؤمن بحكم له طابع مخصوص، يقتضي طابعه أن يكون متبوعا؛ وليس هذا من النبوة في شيء، بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء العقل تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة والعقل معزول عنها، كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات؛ فإن لم يجوز هذا، فقد أقمنا البرهان على إمكانه بل على وجوده، وإن جوز هذا، فقد أثبت أن هاهنا أمورا تسمى خواص لا يدور تصرف العقل حواليها أصلا، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها؛ فإن وزن دانق من الأفيون سم قاتل، لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته. والذي يدعي علم الطبيعة، يزعم أن ما يبرد من المركبات إنما يبرد بعنصري الماء والتراب، فهما العنصران الباردان. ومعلوم أن أرطالا من الماء والتراب لا يبلغ تبريدها في الباطن إلى هذا الحد، فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه لقال:"هذا محال، والدليل على استحالته أن فيه نارية وهوائية والهوائية والنارية لا تزيد بها برودة، فنقدر الكل ماء وترابا فلا يوجب هذا الإفراط بالتبريد، فإن انضم إليه حاران فبأن لا يوجب أولى". ويقدر هذا برهانا. وأكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات مبني على هذا الجنس، فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه. وما لم يألفوه قدروا استحالته. ولو لم تكن الرؤيا الصادقة مألوفة، وادعى مدع أنه عند ركود الحواس يعلم الغيب، لأنكره المتصفون بمثل هذه العقول. ولو قيل لواحد:"هل يجوز أن يكون في الدنيا شيء هو بمقدار حبة يوضع في بلدة ليأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه، فلا يبقي شيئا من البلدة وما فيها ولا يبقى هو في نفسه"؟ لقال:"هذا محال وهو من جملة الخرافات!"وهذه حالة النار ينكرها من لم ير النار إذا سمعها؛ وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو من هذا القبيل. فنقول للطبيعي:"قد اضطررت إلى أن تقول: في الأفيون خاصية في التبريد ليس على قياس المعقول بالطبيعة، فلم لا يجوز أن يكون في الأوضاع الشرعية من الخواص في مداواة القلوب وتصفيتها ما لا يدرك بالحكمة العقلية، بل لا يبصر ذلك إلا بعين النبوة؟"بل قد اعترفوا بخواص هي أعجب من هذا فيما أوردوه في كتبهم، وهي من الخواص العجيبة المجربة في معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق بهذا الشكل: يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء، وتنظر إليهما الحامل بعينها، وتضعهما تحت قدميها، فيسرع الولد في الحال إلى الخروج. وقد أقروا بإمكان ذلك وأوردوه في كتاب"عجائب الخواص"وهو شكل فيه تسعة بيوت يرقم فيها رقوم مخصوصة، يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر، قرأته في طول الشكل أو في عرضه أو جوانبه.

فيا ليت شعري! من يصدق بذلك ثم لا يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة الصبح بركعتين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت