فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 570

أخبر عنه القرآن على لسانه وفي الأخبار، وإلى ما ذكره في آخر الزمان فظهر ذلك كما ذكره، علم علما ضروريّا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل، وانفتحت له العين التي يكتشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص، والأمور التي لا تدركها العقول. فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق النبي عليه الصلاة والسلام. فجرب وتأمل القرآن وطالع الأخبار تعرف ذلك بالعيان.

و هذا القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان.

و أما السبب الرابع. وهو ضعف الإيمان بسبب سوء سيرة العلماء. فيداوى هذا المرض بثلاثة أمور:

أحدها: أن تقول إن العالم الذي تزعم أنه يأكل الحرام، معرفته بتحريم ذلك الحرام كمعرفتك بتحريم الخمر ولحم الخنزير والربا، بل بتحريم الغيبة والكذب والنميمة. وأنت تعرف ذلك وتفعله لا لعدم إيمانك بأنه معصية، بل لشهواتك الغالبة عليك؛ فشهواته كشهواتك، وقد غلبته كما غلبتك، فعلمه بمسائل وراء هذا يتميز به عنك، لا يناسبه زيادة زجر عن هذا المحظور المعين.

و كم من مؤمن بالطب لا يصبر عن الفاكهة وعن الماء البارد، وإن زجره الطبيب عنه! ولا يدل على ذلك أنه غير ضار، أو على أن الإيمان بالطب غير صحيح، فهذا محمل هفوات العلماء.

الثاني: أن يقال للعامي: ينبغي أن تعتقد أن العالم اتخذ علمه ذخرا لنفسه في الآخرة، ويظن أن علمه ينجيه، ويكون شفيعا له حتى يتساهل معه في أعماله لفضيلة علمه. وإن جاز أن يكون زيادة حجة عليه، فهو يجوز أن يكون زيادة درجة له، وهو ممكن، فهو وإن ترك العمل يدلي بالعلم. أما أنت أيها العامي إذا نظرت إليه، وتركت العمل وأنت عن العلم عاطل، فتهلك لسوء عملك ولا شفيع لك.

الثالث: وهو الحقيقة، أن العالم الحقيقي لا يصادف معصية إلا على سبيل الهفوة، ولا يكون مصرّا على المعاصي أصلا؛ إذ العلم الحقيقي ما يعرّف أن المعصية سم مهلك، وأن الآخرة خير من الدنيا، ومن عرف ذلك لا يبيع الخير بما هو أدنى منه. وهذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل بها أكثر الناس؛ فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية اللّه تعالى. وأما العلم الحقيقي فيزيد صاحبه خشية وخوفا ورجاء، وذلك يحول بينه وبين المعاصي، إلا الهفوات التي لا ينفك عنها البشر في الفترات؛ وذلك لا يدل على ضعف الإيمان، فالمؤمن مفتن تواب، وهو بعيد عن الإصرار والإكباب.

هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما، وآفات من أنكر عليهما لا بطريقة.

و نسأل اللّه العظيم أن يجعلنا ممن آثره واجتباه، وأرشده إلى الحق وهداه، وألهمه ذكره حتى لا ينساه، وعصمه عن شر نفسه حتى لم يؤثر عليه سواه، واستخلصه لنفسه حتى لا يعبد إلا إياه.

و صلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت