متردد في أطوار الخلقة من كونه ترابا وغذاء ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ثم تكون مولودا رضيعا ثم فطيما ثم غلاما ثم شابا ثم كهلا وجاهلا عالما وجمادا ثم حيا مدركا، وما من منزلة من هذه المنازل إذا أضفناها إلى ما قبلها إلا وتجدها كمالا، والإنسان لو جعل له عقل في بطن أمه لما رضي أن يتبدل بما سواها وذلك للألفة وينشد لهذا:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطّفل ساعة يولد
و إلّا فما يبكيه منها وإنّها ... لأرحب ممّا كان فيه وأرغد
إذا باشر الدنيا استهلّ كأنّه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدّد
فلو لا عدم الألفة ووحشة التبدل لما بكى والنفس خوارة، بل الشيخ الكبير على طول تجربته إذا رحل من داره إلى دار أخرى يجد ألما وسهرا وربما لم ينم وكذلك الغريب وإنما كانت الغربة مؤلمة لعدم الألفة حتى قال الشاعر في ذلك:
و حبّب أوطان الرّجال اليهم ... مآرب قضّاها الشّباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فحنّوا لذلكا
و قال آخر:
أحبّ بلاد اللّه ما بين منعج ... إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... و أوّل أرض مسّ جلدي ترابها
و على الجملة: فعلوم الشريعة بأسرها في الأمر والنهي محذرة هذا المقام ولذلك أمرت الرسل عليهم السلام الخلق بالإقبال عن الدنيا ورغب الزهاد في ترك الوطن والأهل والولد ورغد العيش. قال عليه السلام:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك في أهل القبور". وقال عليه السلام:"إنما الدنيا كظل شجرة استظل الرجل بها ثم زال عنها وتركها"، فالمقصد الرياضة وتمرين النفس على الشدائد. وأن تمحى هذه الأمور عن النفس، وأن تزال عنها الألفة، وأن تكتسب بغضا لهذه الأمور، فإذا ماتت وإن استبسأت ما حصلت فيه فلا تجد غيره فهي مضطرة إليه، ثم لا تلبث إلا يسيرا وتفرح فرحا لا نهاية له، وإذا كانت وضرة ومشغوفة بالمال والولد والإقبال على الشهوات والعكوف على الملاذ الدنيوية مع أنها سائقة إلى النفس مذهلا ومكربا وشاغلا عن الموت، فإنه انتقال من ضد إلى ضد وهو هلكة فأمر الرب تعالى لطفا منه بالعباد أن يكون للعبد بين الضدين تدريج، وقد جعل تعالى لذلك مثلا ظاهرا في الحياة الدنيا في الأزمنة، فجعلها أربعة أقسام على ممر الشمس في بروجها، فجعل أعدل الأزمنة تنبت فيه الأجسام وتنمو فيه الناميات وتتلون الألوان وتخرج الأرض زخرفها. وقد قال تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ [يونس: 24] . فهذه المدة من الزمان كحال النبات للإنسان والربيع لا يصير بهذه المنزلة