الذي يقوم بالفعل يحافظ على التوازن النسبي؛ لأنه يعرف ماذا يفعل، الذي يقوم برد الفعل يقوم بأعمال غير موزونة لأنه يتحرك ضمن الضرورة وضمن أحسن ما يمكن، ولذلك تقع أغلب الخسائر أثناء الانسحاب والهزيمة وليس أثناء الهجوم والبروز، الطرف المنسحب هو الذي يَتَكَبَّد الخسائر وليس الطرف الذي يهاجم هو الذي يَتَكَبَّد الخسائر، فزمام المبادرة يجب أن تحافظ عليه في المرحلة الأولى والثانية.
إذًا يقول رد الهدنة العسكرية في المرحلة الثانية إلا فيما يلائم المناورات السياسية والعسكرية، يقول لك أوقفوا إطلاق النار في مرحلة كذا لكي نتبادل الأسرى، فتقبل هذه الهدنات؛ لأن لك فيها مصلحة سياسية.
-النقطة الخامسة: تكثيف العمل العسكري لإتلاف إرادة الخصم والقضاء عليه ...
في المرحلة الأولى والمرحلة الثانية يُسيطر مبدأ التصلُّب السياسي والمرونة العسكرية في قيد المرحلة الثانية يقول هنا تكثيف العمل العسكري لإتلاف إرادة الخصم والقضاء عليه؛ فأنت تُتلف إرادة العدو من خلال تكثيف الضربات وتنويع الضربات وتعديلها في الداخل والخارج، يكون عندك عمل خارجي فتلاحق دبلوماسيي العدو وسفاراته وخطوط طيرانه في أنحاء العالم، فتستهدف كل هذه الأهداف حتى يشعر العدو بأنه أصبح مُرهَقًا، يعني أصبحت (تركستان) كما تصب له بترول تصب له أيضًا مليون مصيبة. لا يترك المحتل الأرض التي يحتلها إلا إذا أصبحت مكاسب الاحتلال أقل من تكاليفه؛ فمثلًا هو يأخذ من فيتنام نصف مليون دولار مكاسب في اليوم وينفق على الحرب مليونين دولار في اليوم فهذه تعتبر حرب خاسرة. كما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) ) [1] يعني تتداعى علينا الأُمَم كما يهجم الإنسان الجائع على القصعة يريد أن يأكل أكثر من غيره، فمتى يترك الأكل؟ يترك الإنسان الأكل في حالتين: إذا شبع أو إذا انتهى الطعام أو إذا انقطعت شهيته للطعام، إذا انتهى الطعام نكون نحن فُنينا عن آخرنا لأننا نحن الذين في الطعام، والعدو لا يشبع من الأكل، إذًا هناك حالةٌ ثالثة فقط؛ يجب أن نقطع شهيته عن الأكل، إذا كان إنسان يأكل ثم جاءه حدث فزع تسقط شهيته، فيجب أن نوفر لهم من الإزعاج ما يجعل نفوسهم تقوم عن الطعام ويجدوا التكاليف كثيرة جدًّا، فهذه الحالة الثالثة لترك الطعام وهذا لا يحدث إلا بالحرب؛ قال تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [2] يمكن للمسلم أن يصبر على حرب خاسرة لأنه موعودٌ بالجنّة ولكن الكافر لا يصبر على الحرب إلا إذا كانت رابحة، المسلم يصبر على الحرب الرابحة والخاسرة لأنه في الحالتين رابح؛ الكافر يحسب الربح ماديًّا فيجب أن تُثبِت له أنه ليس رابح.
-النقطة السادسة وهي حول التمركز في المناطق المحررة في المرحلة الثانية:
(1) عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟! قال: بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهَن؟ قال: حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ ) ). أخرجه أبو داود (4299) وأحمد (37/ 82) بإسناد جيّد.
(2) النساء، 104