فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 137

فلما حصل في الجزائر العكس، انفضَّ الناس الآن عن الجهاد، والجهاد يعيش الآن في هذه المرحلة ساعاته الأخيرة، حتى تنتهي حقبة فاشلة كان السبب الأساسي فيها أن الدولة نجحت في دفع إسفين بين التنظيم الجهادي والجماعات الجهادية وبين الشعب وأقنعتهم أن هؤلاء الجماعة مجموعةٌ من الخوارج وقُطّاع الطرق وهكذا.

الآن معروفٌ أن كل الأنظمة المرتدة في الدول العربية والإسلامية تأتي بعلماء منافقين كي يُقنعوا الناس أن هؤلاء الذين يحملون السلاح ضدها خوارج وبغاة، وأن أعمالهم ضد الشريعة.

فرنسا عندما احتلت الجزائر جاءت بشيوخ الصوفية وأقنعتهم أن وجود فرنسا في الجزائر بإرادة الله، فأتت بهم وسألتهم هل وجود فرنسا في الجزائر بإرادة الله أم بغير إرادة الله؟ فقالوا بل بإرادة الله، فقالوا لهم: إذًا قاتلكم لإخراج فرنسا ضد إرادة الله، فهذا قدر الله فكيف تحاربونَ قدر الله، وأتوا بعلماء كثر لإقناع الناس أن وجود فرنسا هو قدر الله.

والآن في السعودية وفي كل الدول الإسلامية هناك هيئة لكبار العلماء وهناك مشيخة الأزهر وهناك وزير الأوقاف ووزير التعليم كل هؤلاء يعزفون على أن فعل المجاهدين غير شرعي وأن الحكومة شرعية، وهذا ستجدونه في الصين وستجدونه في كل مكان.

فكل هذا الغرض منه أن العدو يريد وضع حاجز بين جماهير الناس والعصابات، وإذا بُنيَّ هذا الحاجز بين جماهير الناس والعصابات فستنتهي العصابات؛ لأنه لو كان فيها مئة شخص، ألف شخص، مئة ألف شخص فسيفنون خلال المعركة، في الصين القوات البحرية فقط فيها ستة مليون ناهيك عن القوات البرية. فأنت من أين تأتي بالجنود لقتالهم؟ أنت تستطيع أن تقاتل هذه الأُمَّة بكل أُمَّة الإسلام ورأس الحربة أهل البلد الذين نزل عليهم البلاء.

لذلك نختصر ونقول: في حرب العصابات اتفق العلماء أن الذي يضيع جماهير الناس ويضع الحاجز بينه وبين الناس فهذا يعمل ضد مصلحته، بل هو يعمل ضد المبدأ الشرعي أصلًا؛ الله - سبحانه وتعالى - خاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤيَّد بالوحي فقال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [1] فإذا انفضوا من حوله لم يعد هناك دعوة وما يعد هناك ناس مؤمنون.

فالغرض من الدعوة هو حشد الناس على الحق، وحشد الناس على هذه المعركة، وعندما تُضيّع هذا المفتاح تكون أتيت بأول أسباب الفشل بل بالسبب الأساسي للفشل؛ لأنها سُنّة وضعها الله - سبحانه وتعالى - وأصبحت مُجَرَّبة واكتشفها الناس تجريبيًّا، الذي يتألف قلوب الناس ويحشدهم على الحق يكسب. الله - سبحانه وتعالى - قادر على أن يجعل النصر بدون ناس وبدون دعوة، ولكن في عالم الأسباب نحن متعبدين بأن نكسب الناس حتى نكسب المعركة.

(1) آل عمران، 159

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت